
الحرب بالوكالة، من تل أبيب إلى القاهرة مروراً ببيروت وصنعاء.
المشهد في الشرق الأوسط لم يعد يحتاج إلى محلل سياسي، بل إلى طبيب نفسي ليفهم حجم الأنفصام العربي الرسمي. كل ما يجري في الأيام الأخيرة ليس أحداثاً متفرقة، بل حلقة واحدة في مسلسل واحد مُخرجه في تل أبيب.
عندما يخرج دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، ليقول بالحرف، (إذا لم يفز نتنياهو في الأنتخابات فسنضطر لخوض الحرب وحدنا) ، فهذه ليست زلة لسان. هذه شهادة وفاة لمشروع التفوق الإسرائيلي، وشهادة ميلاد لقوة إيران الجديدة.
ترامب يعترف بلسانه أن أمريكا بكل أساطيلها وحاملات طائراتها، لا تستطيع خوض الحرب ضد إيران وحدها. لماذا؟ لأن طهران لم تعد تلك الدولة التي يمكن تهديدها. اليوم إيران تهدد بضربة إستباقية إذا تأكدت معلوماتها الأستخباراتية عن نية العدو توجيه ضربة لها. لم تعد تنتظر الضربة لترد، بل أصبحت هي من يبادر.
هذا الكلام يثبت ما نقوله منذ سنوات، ميزان الردع انكسر. إسرائيل التي كانت تضرب في سوريا والعراق وإيران متى تشاء، أصبحت اليوم تختبئ خلف أمريكا، وأمريكا نفسها تعترف أنها غير قادرة على حمايتها وحدها دون نتنياهو وأدواته في المنطقة.
في اليمن، أنتهت الأسطورة. ما يحققه أنصار الله اليوم من إنجازات عسكرية ليس تكتيكاً، بل إستراتيجية هزيمة كاملة للمشروع السعودي.
السعودية دخلت اليمن بتحالف من 17 دولة وبتريليونات الدولارات وبأحدث سلاح أمريكي وبريطاني، وخرجت مهزومة تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه. الهزيمة السعودية في اليمن لم تعد تحليلاً، بل حقيقة مؤكدة على الأرض.
وماذا فعل محمد بن سلمان بعد هذه الهزيمة؟ بدلاً من الأعتراف بالفشل والجلوس مع اليمني، ذهب ليطلب النجدة من إسرائيل نفسها.
عندما فشلت الرياض، كان الطلب السعودي واضحاً. تدخلوا أنتم مباشرة لإنقاذنا من المستنقع اليمني. لكن إسرائيل، التي تعرف أنها لو تدخلت مباشرة في اليمن ستحترق، وجدت بديلاً أذكى وأخبث، لماذا لا نقنع مصر بالدخول بدلاً عنا؟
وهنا ندخل إلى أخطر تطور في المنطقة. المعلومات المؤكدة تشير إلى أن المجلس العسكري المصري قد أتخذ القرار بالموافقة على الدخول في حرب اليمن نيابة عن السعودية وإسرائيل، وينتظر الآن قرار المجلس التشريعي لإضفاء الشرعية الشكلية.
إذا حصل هذا، فهذه ستكون كارثة بكل معنى الكلمة، ليس على اليمن، بل على مصر نفسها والمنطقة كلها.
والتاريخ يؤكد ماذا حصل عام 1962 عندما هاجمت مصر اليمن وسقط لها 15 الف قتيل دفنوا في صحراء اليمن.
مصر اليوم التي تعاني أزمة أقتصادية طاحنة، يُراد لها أن ترسل جيشها ليقاتل في جبال اليمن بدلاً من أن يحمي سيناء والنيل. والأخطر من ذلك، أن هذا القرار سيعطي الذريعة المشروعة لأنصار الله لتوجيه ضربات مباشرة إلى القاهرة والعمق المصري، رداً على هذا التدخل السافر.
من المستفيد؟ إسرائيل وحدها بالتأكيد. فهي تريد أستنزاف الجيش المصري الوحيد الباقي من الجيوش العربية الكبرى، وتوريطه في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، تماماً كما أستنزفت الجيش السوري والعراقي من قبل.
وكل هذا الضجيج، من ترامب إلى اليمن إلى مصر، له أمتداد للبنان؟
هنا يأتي دور السفير الأمريكي ميشال عيسى. التحريض السياسي والإعلامي اليومي على المقاومة في لبنان، وإعطاء التعليمات المباشرة للسلطة اللبنانية لأستفزاز المقاومة وبيئتها، عبر ملف السلاح وملف الجنوب وملف شحنة المتفجرات،و محاولة توتير العلاقة بين الجيش اللبناني والمقاومة وغيرها، ليس إلا ستار دخان.
المطلوب من كل تلك الأستفزازات هو حرف أنظار الرأي العام اللبناني والعربي عن الهزيمة المدوية في اليمن، وعن ما يُخطط له ضد طهران ولبنان. يريدون إشغال المقاومة في لبنان بمعركة داخلية مفتعلة، كي لا تتفرغ لدعم اليمن أو لتكون سنداً لإيران إذا ما تعرضت للعدوان.
يفتعلون أزمة سلاح في بيروت، ليغطوا على إدخال مصر في حرب اليمن، وليمرروا ضربة ضد إيران بهدوء.
من هنا نرى حقيقة واحدة صارخة، القرار العربي لم يعد في الرياض ولا في القاهرة ولا في بيروت. القرار العربي بيد إسرائيل.
هي التي تأمر السعودية متى تقصف، وتأمر مصر متى تدخل الحرب، وتأمر الحكومة اللبنانية متى تستفز المقاومة.
غزة تُباد على الهواء مباشرة، ولبنان يُدمر قرية قرية، وإيران يُهدد بقصفها، وهم صامتون صمت القبور.
لكن عندما يتعلق الأمر باليمن، الذي تجرأ وقال لا لإسرائيل، تتشكل التحالفات وتُعقد المجالس العسكرية وتُفتح الخزائن.
إنها ليست دولاً عربية، للأسف هي دول مستعربة، تنبطح تحت نعال الإسرائيلي، وتقاتل بالوكالة عنه كل من يعارض مشروعه.
التاريخ لن يرحم، وذاكرة الشعوب لن تنسى مَن قاتل اليمن، ومَن تآمر على طهران، ومَن صمت عن غزة.ومَن اعطى الغطاء لقصف لبنان وجلب سلطة تحاول أضعاف المقاومة.
نضال عيسى



