
لماذا الحجاب الآن في أذربيجان؟
من جمهورية سوفييتية ذات أغلبية شيعية إلى دولة علمانية تربطها علاقات استراتيجية بإسرائيل… هل دخل الحجاب دائرة الصراع السياسي؟
بقلم : أمين السكافي.
ليس كل صراع على قطعة قماش صراعاً على القماش نفسه، وليس كل قرار تتخذه دولة باسم العلمانية قراراً منفصلاً عن السياسة والهوية وموازين القوى. وفي أذربيجان، الجمهورية التي ينتمي نحو 96 في المئة من سكانها إلى الإسلام، عاد الحجاب إلى واجهة المواجهة بين الدولة والمجتمع، بعدما بدأت مدارس حكومية، في تشرين الأول 2026، منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول الصفوف، استناداً إلى تعديلات جديدة على قواعد اللباس المدرسي.
هنا يبرز السؤال: لماذا الحجاب الآن؟ وهل يتعلق الأمر بتنظيم الزي المدرسي وحماية علمانية التعليم، كما تقول السلطات، أم أن المسألة أعمق، وتتصل بعلاقة الدولة بالإسلام، وبموقع أذربيجان في الصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل وتركيا والولايات المتحدة؟
لفهم ما يجري، لا بد من العودة إلى تاريخ هذا البلد وتركيبته الدينية وخياراته السياسية والاقتصادية، قبل الحكم على ما إذا كانت القضية مجرد إجراء إداري أم اختباراً حقيقياً لحرية المعتقد.
أولاً: أذربيجان… الجغرافيا التي تصنع السياسة
تقع جمهورية أذربيجان في منطقة جنوب القوقاز، عند ملتقى أوروبا الشرقية وغرب آسيا، وتطل على بحر قزوين. عاصمتها باكو، وهي أكبر مدنها ومركزها السياسي والاقتصادي.
يحدها شمالاً روسيا، وشمالاً غربياً جورجيا، وغرباً أرمينيا، وجنوباً إيران، فيما ترتبط بتركيا عبر إقليم نخجوان ذي الحكم الذاتي، الذي تفصله عن بقية الأراضي الأذربيجانية أراضٍ أرمينية. وتمنحها هذه الجغرافيا موقعاً استراتيجياً على طرق الطاقة والتجارة والنقل التي تصل آسيا بأوروبا.
يبلغ عدد سكانها نحو 10.25 ملايين نسمة وفق بيانات البنك الدولي لعام 2025. ويتحدث معظم السكان اللغة الأذربيجانية، وهي لغة تركية الأصل، فيما تركت القرون التي عاشها البلد ضمن الإمبراطوريات الإقليمية، ثم داخل الاتحاد السوفييتي، آثاراً واضحة في ثقافته ومؤسساته وعلاقاته الخارجية.
استقلت أذربيجان لفترة وجيزة عام 1918، قبل أن يدخلها الجيش الأحمر عام 1920 وتصبح جزءاً من الاتحاد السوفييتي. ثم أعلنت استقلالها مجدداً في 30 آب 1991، وأكدته في استفتاء شعبي في كانون الأول من العام نفسه، مع تفكك الاتحاد السوفييتي.
ومنذ ذلك الحين، سعت الدولة إلى تثبيت استقلالها، واستثمار مواردها الطبيعية، وبناء علاقات خارجية تتيح لها المناورة بين روسيا وتركيا وإيران والغرب.
ثانياً: الإسلام في أذربيجان… أغلبية شيعية ودولة علمانية
دخل الإسلام إلى مناطق أذربيجان الحالية خلال الفتوحات العربية في القرن السابع الميلادي، ثم ترسخ تدريجياً عبر القرون، وأصبحت المنطقة جزءاً من المجال الحضاري الإسلامي.
لكن الإسلام الأذربيجاني ليس مذهباً واحداً. فبحسب تقديرات وزارة الخارجية الأميركية، استناداً إلى بيانات دينية رسمية أذربيجانية، يشكل المسلمون نحو 96 في المئة من السكان، ويتوزعون تقريباً بين 65 في المئة من الشيعة و35 في المئة من السنة. أما النسبة المتبقية فتضم مسيحيين، ولا سيما الأرثوذكس، ويهوداً وبهائيين وأتباع ديانات أخرى، إضافة إلى أشخاص لا يمارسون ديناً.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النسب تقديرية، وأن الانتماء المذهبي لا يعني بالضرورة ممارسة الشعائر الدينية بانتظام. فقد ترك الحكم السوفييتي الطويل أثراً عميقاً في أنماط التدين والحياة الاجتماعية.
أما الإسلام الشيعي في أذربيجان، فيرتبط تاريخياً بالفضاء الإيراني والقوقازي، فيما تجمع اللغة والثقافة بين الأذربيجانيين وتركيا روابط وثيقة. وهكذا يجتمع في هذا البلد عاملان لا يتطابقان بالضرورة: غالبية سكانية مسلمة، ودولة تتبنى العلمانية دستورياً.
فالمادة السابعة من الدستور تصف أذربيجان بأنها جمهورية علمانية، وتنص المادة الثامنة عشرة على فصل الدين عن الدولة ومساواة الأديان أمام القانون، وعلى علمانية النظام التعليمي. وفي المقابل، تكفل المادة الثامنة والأربعون حرية الضمير واعتناق الدين أو عدم اعتناقه.
إذن، العلمانية في أذربيجان ليست إعلاناً للحرب على الدين بموجب الدستور، كما أن الأغلبية المسلمة لا تجعل الدولة دولة دينية. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتعارض القواعد التي تضعها المؤسسات العامة مع الممارسة الدينية الفردية.
ثالثاً: هل أذربيجان بلد فقير؟
لا يمكن وصف أذربيجان بأنها دولة فقيرة بالمعنى الاقتصادي العام. فهي دولة غنية بالنفط والغاز، وتستفيد من موقعها على بحر قزوين ومن خطوط تصدير الطاقة إلى الأسواق الخارجية.
بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 75.94 مليار دولار عام 2025، وفق بيانات البنك الدولي، فيما وصل نصيب الفرد من الناتج إلى نحو 7,411 دولاراً. لكن هذه الأرقام لا تعني أن الثروة موزعة بالتساوي، ولا تكفي وحدها للحكم على مستوى معيشة كل المواطنين.
يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على النفط والغاز، إلى جانب قطاعات النقل والبناء والزراعة والخدمات. وتعمل الحكومة على تنويع مصادر الدخل، لأن الاعتماد المفرط على المحروقات يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار والإنتاج العالميين.
وقد سجل الاقتصاد نمواً حقيقياً بنسبة 1.4 في المئة فقط عام 2025، بحسب البنك الدولي، في مؤشر إلى تحديات التنويع الاقتصادي وتباطؤ بعض القطاعات.
ومن هنا، فإن أذربيجان ليست بلداً معدماً، بل دولة تمتلك موارد استراتيجية وإمكانات مالية مهمة، لكنها تواجه سؤالاً تنموياً أساسياً: كيف تتحول عائدات النفط والغاز إلى تنمية مستدامة وفرص عمل وتحسين ملموس لمعيشة السكان؟
رابعاً: إسرائيل وأميركا وتركيا… شبكة المصالح المتشابكة
تقوم السياسة الخارجية الأذربيجانية على موازنة علاقاتها مع قوى متنافسة، لكن هذه الموازنة لا تعني تساوي العلاقات معها في طبيعتها أو أهميتها.
تُعد تركيا الحليف الأوثق لأذربيجان، بفعل الروابط اللغوية والثقافية والتاريخية، والتعاون العسكري والسياسي، والدعم التركي خلال النزاع مع أرمينيا، ولا سيما حرب عام 2020 في إقليم ناغورنو كاراباخ.
أما روسيا، فتبقى قوة إقليمية مؤثرة بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح الأمنية والاقتصادية، رغم سعي باكو إلى الاحتفاظ باستقلال قرارها. وتربط أذربيجان بإيران علاقات تجارية وتاريخية ودينية، لكنها تتخللها توترات استراتيجية، من بينها تقارب باكو مع إسرائيل، ومخاوف طهران من النفوذ الإسرائيلي قرب حدودها.
وفي المقابل، أقامت أذربيجان علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً في مجالات الطاقة والتعاون الأمني والنقل الإقليمي، مع استمرار سعيها إلى تجنب الارتهان الكامل لأي محور.
لكن العلاقة الأكثر إثارة للجدل في العالم الإسلامي هي علاقتها بإسرائيل.
فقد تطورت العلاقات بين الطرفين على أساس المصالح المتبادلة: تشتري إسرائيل النفط الأذربيجاني، فيما أصبحت من أبرز موردي السلاح والتكنولوجيا العسكرية إلى باكو. وأقامت أذربيجان سفارتها في إسرائيل عام 2023، في خطوة كرست انفتاحاً دبلوماسياً أوسع.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية لأن أذربيجان دولة ذات غالبية شيعية، فيما تتسم علاقاتها مع إيران بالتنافس والشكوك الأمنية. وقد جعل ذلك باكو شريكاً مهماً لإسرائيل في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي.
غير أن هذه العلاقات لا تثبت، بحد ذاتها، أن قرار الحجاب صدر استجابة لطلب إسرائيلي أو أميركي. فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة لا تتوافر في المعطيات المنشورة التي يستند إليها هذا البحث.
خامساً: لماذا الحجاب الآن؟ ماذا حدث في المدارس؟
في 21 أيلول 2026، أقر مجلس الوزراء الأذربيجاني تعديلاً على قواعد الزي المدرسي، يمنع الملابس التي لا تتوافق مع الزي المحدد أو التي تعتبرها السلطات مخالفة لمبدأ علمانية التعليم. ولم يذكر القرار الحجاب بالاسم، لكنه أتاح للمدارس تطبيق قواعد أدت إلى منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول بعض المؤسسات التعليمية.
وبدأت التقارير عن حالات المنع والاحتجاجات بالظهور في تشرين الأول، وبرزت القضية إعلامياً بصورة واسعة ابتداءً من 12 تشرين الأول. وأفادت تقارير صحفية بأن طالبات امتنعن عن حضور الدروس احتجاجاً، وأن معلمات اعتبرن القرار تهديداً لحقهن في العمل ولممارسة معتقداتهن.
وفي 14 تشرين الأول، نقلت تقارير إعلامية أن وزارة الداخلية أعلنت توقيف 37 شخصاً في باكو على خلفية اضطرابات مرتبطة بالاحتجاجات، فيما تحدثت جهات أخرى عن أعداد أكبر من الموقوفين على مستوى البلاد، وهي أرقام لم تتطابق جميعها.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: القرار الحكومي الذي صيغ في إطار تنظيم الزي المدرسي، والنتيجة التي ظهرت على الأرض حين مُنعت نساء وفتيات من دخول مدارسهن بسبب الحجاب. فقد لا يستخدم النص كلمة «حظر»، لكن تطبيقه قد يؤدي عملياً إلى منع ارتداء الحجاب في المدرسة.
وتقول السلطات ومؤيدو القرار إن الغاية هي الحفاظ على الزي الموحد والطابع العلماني للمدارس ومنع تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات لإبراز الانتماءات الدينية. ويرى أصحاب هذا الموقف أن القواعد المدرسية يمكن أن تفرض قيوداً على اللباس، شرط تطبيقها وفق القانون.
في المقابل، يعتبر معارضو القرار أن حرمان الطالبة من التعليم بسبب غطاء الرأس يحول العلمانية من مبدأ ينظم العلاقة بين الدولة والأديان إلى أداة لتقييد الحرية الدينية. وقد انتقدت منظمة العفو الدولية في 16 تشرين الأول القيود التي تمنع الفتيات من دخول الصفوف بسبب الحجاب، ودعت إلى إعادة تمكين الطالبات والمعلمات المتضررات من الوصول إلى التعليم والعمل.
وبين الموقفين، يبقى السؤال القانوني والأخلاقي: هل يمكن الحفاظ على علمانية المدرسة من دون إقصاء طالبة بسبب مظهر ديني لا يعيق تعلمها أو يضر بحقوق الآخرين؟
سادساً: هل المشكلة مع الحجاب أم مع الإسلام؟
حتى الآن، لا تكفي الوقائع المتاحة للقول إن الدولة الأذربيجانية أعلنت حرباً شاملة على الإسلام؛ فالمشكلة المباشرة تتعلق بقواعد اللباس في المدارس الحكومية، لا بحظر عام للحجاب في الشوارع أو في الحياة الخاصة.
لكن ذلك لا يلغي خطورة التداعيات. فحين تكون الغالبية الساحقة من السكان مسلمة، يصبح التعامل مع الرموز الدينية مسألة تتجاوز الزي المدرسي إلى علاقة الدولة بهوية المجتمع.
كما أن العلمانية لا تعني بالضرورة إخفاء كل مظهر ديني من المجال العام؛ إذ تختلف تطبيقاتها من دولة إلى أخرى. والتحدي الحقيقي هو التوفيق بين حياد المؤسسات العامة وحرية الأفراد في ممارسة معتقداتهم، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالأطفال وحقهم في التعليم.
وإذا كانت الدولة تخشى توظيف الدين سياسياً أو تمدد نفوذ قوى خارجية عبر المؤسسات الدينية، فإن معالجة هذه المخاوف يجب أن تقوم على القانون والأدلة والسلوك الفعلي، لا على افتراض أن كل فتاة محجبة تمثل مشروعاً سياسياً أو تهديداً أمنياً.
كذلك لا يصح اختزال المسألة في مواجهة بين الشيعة والسنة، أو بين إيران وتركيا، أو بين الإسلام والغرب. فالأزمة الراهنة تدور أساساً حول حدود سلطة الدولة في تنظيم المظهر الديني داخل المدرسة، ومدى انسجام هذه السلطة مع الحقوق الدستورية التي تعترف بها أذربيجان نفسها.
خاتمة: اختبار العلمانية وحرية المعتقد
إن ما يجري في أذربيجان ليس مجرد خلاف على الزي المدرسي، بل اختبار لقدرة الدولة على التوفيق بين هويتها العلمانية وغالبية شعبها المسلمة.
فالدولة التي تنص في دستورها على حرية الضمير والمعتقد مطالبة بأن تفسر بوضوح كيف تنسجم القيود الجديدة مع تلك الحريات. وإذا كان الهدف هو الانضباط المدرسي، فينبغي أن تكون القواعد ضرورية ومتناسبة وألا تحرم الفتيات من التعليم. أما إذا أصبح الحجاب سبباً للإقصاء من الصفوف، فإن النقاش ينتقل من تنظيم الزي إلى مسألة الحقوق الأساسية.
وفي المقابل، لا يجوز القفز إلى استنتاج أن القرار مؤامرة خارجية أو حرب معلنة على الإسلام من دون أدلة كافية. فالمطلوب قراءة سياسية دقيقة تفرق بين الوقائع والتأويلات، وتضع المصالح الإقليمية في سياقها من دون تحويلها إلى اتهامات جاهزة.
يبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل القضية: هل تستطيع أذربيجان أن تحافظ على علمانية مؤسساتها من دون أن تجعل الفتاة المسلمة تدفع ثمن حجابها من حقها في التعليم؟ هنا، لا يُقاس احترام الدولة للعلمانية بقدرتها على منع الرموز الدينية فحسب، بل بقدرتها أيضاً على حماية حرية مواطنيها، حتى حين تختلف اختياراتهم عن خيارات السلطة.



