من غزة إلى اليمن، عندما تصبح البندقية المصرية للإيجار

 

 

سمعناك يا رئيس مصر عبد الفتاح السيسي أثناء الإبادة في غزة، وقفت أمام شعبك وقلت بكل فخر، (أنا عملت بكل إخلاص وجهد لأجل إدخال المساعدات إلى غزة، ولكن لا يطلب مني أحد أن أراهن على حياة المصريين وندخل في صراع مع إسرائيل) .

حفظنا الجملة. كتبناها. وفهمنا الرسالة. دم المصري غالٍ، لا يجب أن يراق في مواجهة إسرائيل. جيش مصر، أكبر جيش عربي، لا يجب أن يزج به في حرب مع العدو. مصلحة مصر تقتضي السلامة والابتعاد.

قلنا، وجهة نظر، وإن كانت مخزية، لكنها مفهومة في زمن الانبطاح.

لكنك اليوم، وبنفس اللسان، تخرج علينا لتقول بكل حماس وانبطاح، (بناء على تعليمات سمو الملك بن سلمان وولي العهد محمد، سوف نشارك بمساعدة السعودية ضد اليمن) . ومن غير الطبيعي أن نسمع أن السعودية تتعرض لهجوم ولا نقف معها.

عفواً؟

هل سمعنا بشكل صحيح؟

يعني دم المصري غالٍ جداً عندما يكون العدو هو إسرائيل التي تذبح 70 ألف فلسطيني في غزة، وتدمر جنوب لبنان وتقصف سوريا وتعتدي على إيران. لكن دم المصري يصبح رخيصاً ومباحاً عندما يكون المطلوب قصف دولة عربية ومسلمة مثل اليمن؟

أين كانت هذه الحمية يا رئيس مصر عندما كانت غزة تباد؟ أين كان جيشك العظيم عندما كانت رفح تُمحى من الوجود على بعد أمتار من حدودك؟ ألم تكن غزة تستحق نفس الجملة. (من غير الطبيعي أن نسمع أن غزة تتعرض لهجوم ولا نقف معها) ؟

لماذا لم تقلها؟

لأن غزة تقصفها إسرائيل، واليمن يقصف إسرائيل.

هذه هي كل الحكاية بلا مساحيق.

أمام إسرائيل، تتحول إلى حكيم يخاف على شعبه. تتحدث عن عدم المغامرة، عن الحكمة، عن عدم التضحية بالشعب. وكأن الشهادة في سبيل فلسطين وجيش مصر يدافع عن شرف الأمة أصبحت مغامرة!

يا رجل، التضحية في مواجهة العدو الإسرائيلي هي فخر. الشهداء الذين يسقطون أمام إسرائيل ترفع بهم الرؤوس، وتعلق صورهم في الميادين، ويفتخر بهم التاريخ. هذا هو جيش مصر الذي نعرفه، جيش أكتوبر، جيش العبور، لا جيش المعابر المغلقة.

أما عندما ترسل جيشك ليقاتل اليمن، البلد العربي المسلم الفقير المحاصر، الذي كل ذنبه أنه قال (لا) لإسرائيل وأغلق البحر نصرة لغزة. فمن يسقط هناك ليس شهيداً. من يسقط وهو يقصف صنعاء لأجل عيون الرياض وتل أبيب، هو قتيل. قتيل في معركة ليست معركته، وفي حرب ليست حربه.

قلها بوضوح يا رئيس مصر. أنتَ لا تقاتل اليمن لأنه خطر على مصر. أنت تقاتل اليمن لأجل المال السعودي، ولأجل إرضاء إسرائيل وأمريكا.

اليمن اليوم هو الجبهة الوحيدة التي تؤلم إسرائيل فعلياً. صواريخه تصل إلى يافا، وحصاره يخنق ميناء إيلات. وعندما فشلت أمريكا وإسرائيل في إسكاته، نادوا على الحارس القديم،(تعال يا جيش مصر اضرب اليمن) .

وما أشبه اليوم بالأمس. نفس الدول العربية التي صمتت صمت القبور على إبادة غزة، وشاهدت تدمير لبنان، هي اليوم تتشكل في تحالف عسكري عاجل ضد اليمن.

لماذا كل هذه السرعة ضد اليمن، وكل هذا الصمت ضد إسرائيل؟

الجواب واضح، لأنكم في تحالفكم ضد اليمن، لا تحمون السعودية. أنتم تحمون إسرائيل.

التاريخ لن يرحم. سيكتب أن مصر، التي كانت تقود الأمة لتحرير فلسطين، أصبح جيشها في زمن السيسي حرس حدود لإسرائيل، وشرطي يضرب من يضرب إسرائيل.

يا حسرة على جيش كان يحلم أن يصلي في القدس، فأصبح يحلم أن يرضى عنه بن سلمان ونتنياهو. هزلت

 

نضال عيسى

شارك