
التعفّف… نعمةُ الخالق.
بقلم: الكاتبة والمربّية فاطمة يوسف بصل
في أعماق الإنسان مملكةٌ لا تُرى، لا تُفتح أبوابها بالمفاتيح، ولا تُشترى عروشها بالذهب، ولا تستطيع عواصف الحاجة أن تنتزع منها هيبتها؛ مملكةٌ يسكنها الضمير حين يصحو، وتُظلّلها الكرامة حين تشتدّ المحن، ويحرسها إيمانٌ عميق بأنّ ما عند الخالق أوسع من ضيق اللحظة، وأبقى من إغراء العابرين. هناك، في تلك المساحة المقدّسة من الروح، تتجلّى نعمة التعفّف؛ تلك الهبة التي لا تمنح الإنسان قدرةً على الامتناع فحسب، بل تمنحه بصيرةً يرى بها ما وراء الرغبات، فيدرك أنّ بعض ما تشتهيه النفس قد يكون ثمنه باهظًا إلى حدّ خسارة النفس نفسها، وأنّ بعض الأبواب، مهما تلألأت خلفها المكاسب، لا تستحقّ أن نعبرها إذا كان العبور سيترك كرامتنا حطامًا على عتباتها.
التعفّف نعمةُ الخالق، لأنّه غنىً يُولد في الروح قبل أن يظهر في الحياة، وعزّةٌ تنبت في القلب حين تضيق اليد، ونورٌ يحول بين الإنسان وبين السقوط في هاوية المساومة.* فليس الغنيّ من امتلأت خزائنه بما جمع، بل من امتلأت نفسه بما يكفيها؛ وليس الفقير من قلّ ما يملك، بل من ظلّ يلهث خلف المزيد حتى نسي قيمة ما بين يديه. كم من إنسانٍ يسكن القصور، لكنّه يستجدي نظرة إعجاب، ويتسوّل اعترافًا بقيمته، ويبيع شيئًا من مبادئه في كلّ سوقٍ يَعِدُه بمزيد من الرفاهية! وكم من إنسانٍ أثقلته الحياة، وأتعبته الحاجة، وأضنته تقلّبات الأيّام، لكنّه ظلّ واقفًا كجذع زيتونةٍ عتيقة، تضربها الرياح ولا تنتزعها من تربتها؛ لأنّ جذوره مغروسة في الإيمان، ولأنّه يعرف أنّ الكرامة ليست شيئًا نرتديه حين نكون أقوياء، بل حقيقةٌ نتمسّك بها حين نحاصرنا مواطن الضعف.
ولعلّ أجمل ما في اتعفّف أنّه لا يحتاج إلى شهودٍ كي يثبت نقاءه، ولا إلى منصّةٍ كي يعلن انتصاره؛ فهو يحدث في الخفاء، في تلك اللحظة التي تكون فيها النفس وحدها أمام إغراءٍ تعرف أنّه يرضي رغبتها ويُغضب ضميرها، أو حين تمتدّ إليها فرصةٌ سهلة، لكنّها تدرك أنّ وراء سهولتها ثمنًا من المبادئ لا يجوز دفعه. هناك، حيث لا تصفيق ولا لوم، ولا عين تراقب ولا صوت يحاسب، يتجلّى معدن الإنسان الحقيقيّ. فالتعفّف ليس أن تمتنع عمّا لا تستطيع الوصول إليه، بل أن تستطيع الوصول إليه ثم تختار ألّا تقترب، لأنّ في داخلك ميزانًا لا تُفسده المغريات، وبوصلةً لا تُضلّلها المصالح، وروحًا تأبى أن تستبدل سلامها الداخليّ بلذّةٍ عابرة. إنّه انتصارٌ صامت لا يسمع العالم ضجيجه، لكنّ السماء تعلم كم من معركةٍ خاضها صاحبها في أعماقه كي يخرج منها محتفظًا بنقائه.
وحين يشتدّ عوز الإنسان، يصبح التعفّف امتحانًا لا يعرف قسوته إلّا من وقف على حافّة الحاجة. فالجوع ليس كلمةً تُكتب في مقال، والحرمان ليس صورةً عابرةً في ذاكرة الآخرين؛ إنّه ليلٌ طويل قد يطرق أبواب النفس، ويضعف مقاومتها، ويجعل بعض التنازلات تبدو كأنّها نجاة. غير أنّ التعفّف، حين يكون متجذّرًا في الروح، يوقظ في الإنسان حقيقةً أعمق من حاجته: أنّ الرزق لا يبرّر الحرام، وأنّ الضيق لا يمنح أحدًا حقّ انتهاك كرامته، وأنّ الأبواب التي تُفتح على حساب المبادئ قد تقود إلى اتّساعٍ في المعيشة وضيقٍ في الروح. وليس معنى ذلك أن يقدّس الإنسان ألمه أو يستسلم للحرمان، بل أن يسعى ويعمل ويطلب حقّه، من غير أن يجعل من حاجته سلّمًا يصعد عليه إلى التنازل عن ذاته. فالتعفّف لا يُغلق أبواب الرزق، بل يحرس الطريق إليه من أن يتحوّل إلى طريقٍ لفقدان النفس.
وما أعمق الفرق بين من يتعفّف لأنّه يخشى كلام الناس، ومن يتعفّف لأنّه يخشى أن تنطفئ في داخله شعلة الصدق! الأوّل أسير صورةٍ يحاول حمايتها، والثاني حارسٌ لحقيقةٍ لا يريد أن يخونها. فحين يصبح الضمير مرهونًا بحضور الآخرين، يسقط الإنسان عند أوّل غيابٍ للرقيب؛ أمّا حين تنبع العفّة من الإيمان، فإنّ صاحبها يعرف أنّ الله لا تخفى عليه خافية، وأنّ قيمة العمل لا تُقاس بما يراه الناس منه، بل بما يحمله من صدقٍ وإخلاص. ومن هنا، لا يكون التعفّف مجرّد فضيلةٍ اجتماعيّة، بل عبادةً صامتة، وشهادةً يوميّة على أنّ الإنسان قادرٌ على تهذيب رغباته، وأنّ قلبه لا ينبغي أن يكون سوقًا مفتوحةً لكلّ ما يلمع، ولا روحه أرضًا مستباحةً لكلّ ما يغري.
وللتعفّف وجهٌ آخر لا يقلّ جمالًا: أن يتعفّف القويّ عن إذلال الضعيف، والغنيّ عن المنّ على المحتاج، وصاحب النفوذ عن استغلال من لا يملك دفع الأذى عن نفسه. فليس التعفّف فضيلة الفقراء وحدهم، بل هو امتحانٌ لكلّ من امتلك القدرة؛ لأنّ القدرة حين تنفصل عن الرحمة تتحوّل إلى طغيان، والعطاء حين يُجرّد من التواضع يصبح قيدًا خفيًّا يطوّق عنق من يتلقّاه. ما أسمى الإنسان حين يعطي دون أن يجرح، ويساعد دون أن يستعبد، ويستر حاجة الآخرين بدلًا من أن يجعلها حديث المجالس! وما أكرم النفس حين تملك أن تنتقم، ثم تختار ألّا تُفسد نقاءها بالانتقام، وحين تستطيع أن تفضح، ثم تصون الأسرار لأنّ أخلاقها لا تتبدّل بتبدّل المواقف! إنّ التعفّف الحقيقيّ لا يحفظ كرامة صاحبه فحسب، بل يحمي كرامة الآخرين أيضًا؛ لأنّ النفس التي عرفت قدرها لا تحتاج إلى تصغير أحدٍ كي تشعر بعلوّها.
وفي زمنٍ صار فيه كلّ شيءٍ قابلًا للمساومة، حتى المشاعر والمواقف والضمائر، يغدو التعفّف أشبه بمصباحٍ صغير يقاوم عتمةً تتّسع. نعيش في عالمٍ يُغري الإنسان بأن يقيس نجاحه بما يملك، ومكانته بما يعرض، وقيمته بقدرته على اقتناص الفرص، ولو كانت بعض الفرص مصائدَ مزيّنةً بالذهب. لكنّ الروح التي أنعم الله عليها بالتعفّف تعرف أنّ البريق ليس دليلًا على النقاء، وأنّ كلّ ما يُلمع لا يستحقّ أن نمدّ أيدينا إليه، وأنّ بعض الانتصارات الماديّة قد تكون هزائم أخلاقيّة ترتدي ثياب النجاح. لذلك يظلّ المتعفّف غريبًا عن سباق اللهاث؛ لا لأنّه عاجزٌ عن الركض، بل لأنّه يعرف وجهته، ولا لأنّه لا يشتهي، بل لأنّه لا يسمح لكلّ شهوةٍ أن تتحوّل إلى أمرٍ نافذٍ في حياته.
وليس التعفّف أن نخجل من حاجتنا، أو أن نرفض يدًا صادقةً تمتدّ إلينا، أو أن نحمّل الفقير وحده مسؤوليّة صموده أمام قسوة الحياة؛ فالفقر ليس عارًا، وطلب المساعدة ليس انتقاصًا من الكرامة، وقبول العون لا يجعل الإنسان مدينًا بروحه لمن أحسن إليه. إنّما العفّة أن تبقى النفس أمينةً لمبادئها، وأن يعرف الإنسان كيف يأخذ دون أن يبيع نفسه، وكيف يطلب حقّه دون أن يتسوّل رضا الآخرين، وكيف يسعى إلى تحسين حياته دون أن يجعل المال سيّده والضمير خادمه. كما أنّ المجتمع الذي يحترم هذه النعمة لا يكتفي بمدح المتعفّفين، بل يمدّ إليهم سبل الحياة الكريمة، ويحارب الظلم الذي يدفع الناس إلى حافّة العوز، ويفتح أبواب العمل والعدالة أمامهم؛ لأنّ صون الكرامة مسؤوليّةٌ مشتركة، وليس اختبارًا يُترك فيه الضعفاء وحدهم في مواجهة قسوة العالم.
إنّ التعفّف، في جوهره، ليس أن نُطفئ رغباتنا كلّها، بل أن نمنحها مكانها الصحيح؛ ألّا نجعل الحاجة إلهًا صغيرًا نعبده، ولا المال ميزانًا نزن به البشر، ولا رغباتنا سلاسلَ تجرّنا إلى حيث لا نريد. إنّه أن نمتلك أنفسنا قبل أن نطلب امتلاك الأشياء، وأن نعرف متى نقول نعم دون أن نخون ضميرنا، ومتى نقول لا دون أن نخشى خسارة ما لا يستحقّ البقاء. فكم من إنسانٍ خسر شيئًا من متاع الدنيا، وربح نفسه، وكم من آخر ربح الدنيا في أعين الناس، ثم عاد إلى وحدته مثقلًا بفراغٍ لا تملؤه الخزائن! وما أقسى أن يربح المرء كلّ شيءٍ حوله، ثم يكتشف أنّه خسر الإنسان الذي كان ينبغي أن يكونه.
وإذا كان الخالق قد أنعم على بعض عباده بمالٍ يوسّع حياتهم، وعلى آخرين بصحّةٍ تعينهم، وبعلمٍ يرفع شأنهم، فإنّ من أعظم النعم أن يمنح الإنسان نفسًا عفيفةً لا تُغريها المذلّة، وقلبًا قنوعًا لا تبتلعه المقارنة، وروحًا تعرف أنّ ما عند الله لا يُنال بالخيانة، وأنّ الكرامة ليست ثمنًا يُدفع عند الحاجة، بل أمانةٌ ينبغي أن نصونها في كلّ الأحوال فالتعفّف ليس فقرًا يتخفّى خلف الصمت، بل غنىً لا تستطيع الأيدي أن تسلبه، وليس حرمانًا من الحياة، بل تحرّرًا من كلّ ما يجعل الحياة عبوديّةً للرغبات.
وفي نهاية المطاف، لن يبقى للإنسان من كلّ ما جمعه إلّا أثره، ومن كلّ ما امتلكه إلّا ما أحسن استخدامه، ومن كلّ ما قاله إلّا ما صدّقه فعله. ستبهت المظاهر، وتتبدّل الوجوه، وتغلق الدنيا أبوابًا كانت بالأمس مفتوحة، لكنّ النفس التي صانها التعفّف ستظلّ تحمل في أعماقها ضوءًا لا تطفئه تقلّبات الأيام. فطوبى لمن علّمه الله كيف يكون غنيًّا دون أن يتكبّر، ومحتاجًا دون أن ينكسر، وقادرًا دون أن يظلم، ومحرومًا دون أن يحسد؛ طوبى لمن أدرك أنّ أعظم ما يمكن أن يحمله الإنسان ليس ما في يديه، بل ما في قلبه من إيمان، وما في ضميره من نقاء، وما في روحه من عفّة.
فالتعفّف نعمةُ الخالق؛ حين تضيق الأرض في أعيننا، فيوسّع الله في أرواحنا أفقًا لا تحدّه الحاجة، وحين تغرينا الدنيا بأن نبيع أنفسنا لنربحها، يوقظ فينا نورًا يذكّرنا بأنّ بعض الخسارات نجاة، وبعض الحرمان كرامة، وبعض الأبواب التي لم تُفتح لنا كانت رحمةً لا نعرف حكمتها إلّا بعد حين. وما أجمل أن يخرج الإنسان من معارك الحياة وقد خسر بعض ما أراد، لكنّه لم يخسر نفسه؛ لأنّ من حفظ روحه من المساومة، فقد امتلك كنزًا لا تنفد قيمته، ومن رزقه الله عفّة النفس، فقد أودع في قلبه غنىً لا تستطيع الدنيا، بكلّ ما فيها، أن تشتريه



