كتب رياض الفرطوسي

 

وُلدت الدولة العراقية الحديثة وفي شرعها مقعد محفوظ للشيخ. ففي سنة 1918 أصدر البريطانيون نظاماً لفض النزاعات العشائرية جعل لزعماء القبائل في الريف سلطة قضائية معترفاً بها، لأن الدولة الوليدة كانت أضعف من أن تحكم الأطراف بنفسها. كانت تلك أول مرة تقوم فيها السلطة على مقايضة صريحة: ولاؤك مقابل نفوذك. ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع هذه المقايضة، بل غيّرت أثوابها.

 

سمّى المؤرخ الفرنسي مارك بلوك (1886-1944، من كبار مؤرخي القرون الوسطى، أعدمه الألمان بسبب مقاومته، صاحب كتاب المجتمع الإقطاعي) هذا النمط بإسمه: الإقطاع ليس قصوراً وفرساناً، بل علاقة شخصية بين رجل ورجل، يعطي فيها الأقوى حماية وأرضاً ويأخذ طاعة وخدمة، وتزدهر حين تضعف الدولة التي يُفترض أن تحمي الجميع بقانون واحد. فحيثما غاب القانون الذي يحمي، قامت الفروع تحمي بالولاء.

 

وفي بغداد نفسها تجربة قديمة تشبه هذا. فمنذ سنة 1704 حتى 1831 حكم العراق بيتٌ واحد توارثه الولاة والمماليك، تحت راية السلطنة العثمانية البعيدة، قرناً وربعاً. كانت السلطنة تعيّن، لكن البيت هو الذي يحكم. ثم جاءت الدولة الحديثة بأحلام أكبر، وبقي تحتها هذا العرق العتيق.

 

وقد تتبّع المؤرخ حنا بطاطو (1926-2000، باحث فلسطيني الأصل في تاريخ العراق، صاحب الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) شبكة القرابة التي التفّت حول القيادة البعثية، وكيف صارت العمّات والأخوال وأبناء العم الأعمدة الفعلية للدولة وراء واجهة الحزب. وتكرر المشهد بصورة أوضح في عهد صدام: إخوة غير أشقاء على رأس الأجهزة، وأقارب في وزارة الدفاع والصناعة العسكرية، ثم الأبناء. وبعد انتفاضة 1991 لجأ النظام إلى العشائر فمنح شيوخاً امتيازات وسلاحاً، لأن الحزب لم يعد يكفي، وصار الدم أوثق من الفكرة.

 

ظنّ كثيرون أن 2003 أنهت هذا الإرث. لكن الذي انتهى كان الوجه لا البنية. فالعوامل التي صنعت الإقطاع القديم بقيت كلها: ريع نفطي يدخل الخزينة دون أن يمر بضرائب المواطنين فلا يحاسب أحد على إنفاقه، ومؤسسات ضعيفة لا تحمي الموظف إذا خالف سيده، وأزمة ثقة عميقة لا يأمن فيها المرء إلا على قريبه. ومع هذه العوامل، يعود الإقطاع مهما غيّرت الصناديق ألوانها.

 

غير أن في ما جرى بعد 2003 فرقاً يستحق الانتباه. كان الإقطاع البعثي واحداً: بيت واحد فوق الجميع. أما اليوم فنحن أمام إقطاع متعدد: بيوت كثيرة تتقاسم الدولة كما تتقاسم الأراضي، لكل بيت وزارته أو هيئته أو محافظته، وله وكلاؤه ومريدوه وجمهوره. المحاصصة التي بدت في بدايتها صيغة مؤقتة لتوزيع الحصص بين المكوّنات تحولت في بعض الأحيان إلى سجل ملكية. وصارت الانتخابات في حالات كثيرة طريقة لتثبيت الأسماء نفسها أو تمرير الأبناء والأقارب إلى الصف الأول، فتتحول القائمة الحزبية إلى ما يشبه شجرة عائلة. وتظهر الظاهرة في تفاصيل صغيرة تقول الكثير: احتفال يُقام بالمناسبة بحضور العشيرة، وتعيينات تجري على الأسماء، ومنصب لا يُنظر إليه كأمانة بل كحصة يجب أن تدوم.

 

ولا يختص العراق بهذا. ففي لبنان بيوت سياسية عريقة تتوارث الزعامة منذ ما قبل الاستقلال، وفي الفلبين وفي الهند عائلات تتناوب على الحكم جيلاً بعد جيل. والدرس المقارن واضح: كلما ضعف القضاء المستقل وقوي الريع، قويت العائلة السياسية.

 

أما الثمن فيدفعه الجميع، بمن فيهم أصحاب الإقطاعيات أنفسهم. الموظف الكفء يتعلم أن الكفاءة لا تكفي وأن الأهم هو الباب الذي يطرقه. والمواطن يتعلم أن الدولة ليست ملكه بل بيت لغيره يزوره حين يحتاج. والإقطاع نفسه هشّ، لأن تابع السيد لا يدافع عنه حين يسقط، بل يبحث عن سيد جديد.

 

وليس الحل في تغيير الوجوه، فالوجوه الجديدة تجد الطريق نفسه ممهداً. جرّبت الصين هذا الدرس قبل ألف عام حين كسرت حكم الأسر الأرستقراطية بامتحان عام للتوظيف أُتيح لأبناء الفلاحين، وبذلك وُلدت أول إدارة قائمة على الكفاءة في التاريخ. الوصفة قديمة وبسيطة: قانون خدمة مدنية يحمي الموظف لا السيد، وتعيينات مفتوحة بامتحانات معلنة، ومحاسبة مالية مستقلة، وحدّ لتدوير المنصب بين الأقارب. حين تصير الدولة هي الحامي، لا يعود الناس بحاجة إلى إقطاعي يحميهم، وحين لا يحتاجون إليه، يتحول الوارث إلى مواطن عادي.

شارك