
لبنان أولاً… لا يتحقق إلا بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ووقف العدوان والاعتداءات اليومية
كتب: سعيد فارس السعيد
إن ما نقلته صحيفة «الشرق الأوسط»، إذا صحّ، عن إبلاغ حزب الله الرئيس نبيه بري بأنه
【 لن يتدخل في حال اندلاع حرب على إيران، انطلاقاً من أن إيران دولة قوية ولا تحتاج إلى تدخله】،
وما نُقل عن نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده بشأن
【عدم طلب إيران من حزب الله التدخل】،
يفتح الباب أمام تساؤلات وطنية واستراتيجية مهمة حول موقع لبنان ، وحول كيفية حماية مصالحه وشعبه وأرضه في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة وبظل العدوان الإسرائيلي اليومي عليه …
وبعيداً عن مدى دقة هذه المعلومات، فإن الواجب الوطني يفرض علينا التمسك بمبدأ واضح:
لبنان السيد القوي المستقل أولاً، ومصلحة الشعب اللبناني وسيادة الدولة وسلامة الأراضي اللبنانية فوق أي حسابات أخرى.
فلبنان الذي عانى طويلاً من الحروب والاحتلال والاعتداءات والانقسامات الداخلية، لا يحتمل حرباً جديدة تُضاف إلى أزماته الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، ولا يجوز أن يتحول مجدداً إلى ساحة حرب أو إلى ميدان تُدار فوق أرضه صراعات تتجاوز مصالح أبنائه وإرادتهم الوطنية.
فالانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان أولوية وطنية عاجلة
و الحديث عن «لبنان أولاً» لا يمكن أن يكون مجرد شعار سياسي، بل يجب أن يُترجم إلى خطوات عملية، في مقدمتها
[ الانسحاب الإسرائيلي الفوري والكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف العدوان والاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية].
فلا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في لبنان فيما تستمر الاعتداءات، وتبقى الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال، ويظل المواطنون مهددين في أمنهم وحياتهم ومصادر رزقهم.
كما لا يجوز أن تتحول الخلافات اللبنانية الداخلية حول الاستراتيجية الدفاعية أو سلاح المقاومة أو إدارة قرار الحرب والسلم إلى مبرر لتأجيل المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي أو التخفيف من أولوية وقف العدوان.
___إن إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات حق وطني وسيادي، ومسؤولية تقع على عاتق الدولة اللبنانية وجميع القوى الوطنية، بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي والسياسي والقانوني، والاستفادة من العلاقات العربية والدولية للضغط من أجل تنفيذ الالتزامات والقرارات ذات الصلة وحماية لبنان.
ويجب أن يترافق ذلك مع تأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم بأمان وكرامة، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتعويض المتضررين، وترميم ما دمرته الاعتداءات، بما يعيد الحياة إلى المناطق التي دفعت أثماناً باهظة من أمنها واقتصادها واستقرارها.
فالحوار الوطني الشامل… مسؤولية تاريخية لإنقاذ لبنان
بالتوازي مع أولوية الانسحاب الإسرائيلي ووقف العدوان،
حيث تبرز مسؤولية وطنية لا تقل أهمية، عن الانسحاب الاسرائيلي تتمثل في إطلاق حوار وطني شامل وجاد، لا يقتصر على اللقاءات البروتوكولية أو البيانات العامة، بل يهدف إلى معالجة أسباب الانقسام ووضع أسس واضحة تحمي لبنان من الحروب المتكررة وتؤسس لاستقرار مستدام.
___إن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، إلى جانب القوى السياسية والبرلمانية والوطنية، مدعوون إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية، والعمل على إطلاق مسار حوار وطني جامع، يضع مصلحة لبنان وشعبه فوق المصالح الحزبية والفئوية والحسابات الإقليمية.
ولا ينبغي أن يكون الحوار مناسبة لتبادل الاتهامات أو محاولة فرض شروط مسبقة أو تسجيل انتصارات سياسية على حساب الآخرين، بل يجب أن يقوم على الاعتراف المتبادل بالهواجس والمخاوف، واحترام التضحيات التي قدمها اللبنانيون، وخاصة المقاومة والتمسك بوحدة البلاد وحق شعبها في الأمن والكرامة والسيادة.
إن المطلوب هو حوار صريح ومسؤول يتناول الملفات الأساسية، وفي مقدمتها:
____قرار الحرب والسلم:
فالاتفاق على إطار وطني يحمي لبنان من الانجرار إلى الحروب، ويضمن أن تكون المصلحة اللبنانية العليا هي المعيار في القرارات المصيرية.
___الاستراتيجية الدفاعية الوطنية: لبحث سبل حماية لبنان وأرضه وشعبه، وتحديد دور الدولة والجيش وسائر القوى الوطنية ضمن تفاهم يحفظ السيادة ويعزز قدرة البلاد على مواجهة الاعتداءات.
والتراجع عن اي قرار او اجراء يسيئ الى المقاومة التي دافعت وتدافع عن الارض والشرف والكرامة .
أما عن دور الدولة ومؤسساتها:
فإن تعزيز سلطة المؤسسات الدستورية وقدرات الجيش والقوى الأمنية، وتطوير إمكانات الدولة في الدفاع عن الأراضي اللبنانية وحماية المواطنين فإن ذلك لايمكن ان يتم بظل عدم تقدير واحترام تضحيات المقاومة وشعبها .
وفي العلاقة بين مكونات المجتمع اللبناني:
فإن ترسيخ الشراكة الوطنية، ورفض الإقصاء ، وضمان مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد و وضع خطة عملية واضحة لإعادة بناء المناطق المتضررة، وتأمين عودة أهلها إلى بيوتهم وقراهم، وحماية حقوقهم ومصادر عيشهم و تحويل التفاهمات إلى خطوات محددة بجدول زمني واضح، مع آلية وطنية لمتابعة التنفيذ وتقييم النتائج ومصارحة اللبنانيين بما يتحقق.
والحوار المطلوب ليس تنازلاً عن الحقوق الوطنية، ولا مساومة على الأرض والسيادة، ولا تجاهلاً للتضحيات التي قدمها اللبنانيون في مواجهة الاحتلال والاعتداءات. بل هو الطريق المسؤول لتوحيد الإرادة الوطنية حول كيفية حماية تلك الحقوق، ومنع تكرار المآسي، وتجنب تحميل الشعب اللبناني أثماناً جديدة لا قدرة له على تحملها.
ولا يجوز أن يُستخدم الحوار ذريعة لتأخير الانسحاب الإسرائيلي أو وقف العدوان؛ فالمساران متلازمان في المسؤولية الوطنية، لكن لكل منهما استحقاقه:
فالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات مطلب عاجل،
والحوار الوطني ضرورة لبنانية لا تحتمل التسويف.
لأن لبنان لا يحتاج إلى غالب ومغلوب
و المرحلة الراهنة لا تحتمل منطق الانتصار لفريق على فريق، ولا يجوز أن يتحول النقاش حول مستقبل لبنان إلى معركة لتكريس نفوذ هذا الطرف أو إضعاف ذاك.
فلا غالب ولا مغلوب في تسوية وطنية حقيقية، بل رابح واحد يجب أن يكون هو لبنان وشعبه ودولته ومؤسساته.
ومن حق اللبنانيين أن يطمئنوا إلى أن قرار بلدهم ودولتهم ، وأن أرضهم لن تبقى ساحة مفتوحة للاعتداءات، وأن أبناءهم لن يدفعوا مرة جديدة ثمن الانقسامات والحسابات التي تتجاوز مصلحتهم الوطنية.
كما أن التمسك بلبنان أولاً لا يعني التخلي عن الحقوق العربية أو القضايا العادلة، بل يعني أن ينطلق الموقف اللبناني من قرار وطني مستقل، يوازن بين التضامن العربي المشروع وبين حماية لبنان والدفاع عنه وعن سيادته
لبنان أولاً… مشروع سيادة وشراكة وطنية.
إن لبنان يحتاج اليوم إلى موقف وطني واضح يجمع بين المطالبة الحازمة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف العدوان والاعتداءات اليومية، وبين إطلاق حوار وطني شامل يعيد بناء الثقة بين اللبنانيين، ويؤسس لاتفاق واقعي حول حماية البلاد ومستقبلها.
فالمطلوب من القيادات اللبنانية أن تنتقل من إدارة الخلافات إلى معالجتها، ومن تبادل الاتهامات إلى بناء التفاهمات، ومن الحسابات الضيقة إلى تحمل المسؤولية التاريخية أمام شعب أنهكته الحروب والأزمات.
فلا سيادة مكتملة مع استمرار الاحتلال والاعتداءات، ولا استقرار مستدام من دون تفاهم وطني، ولا دولة قوية من دون مؤسسات قادرة وشراكة حقيقية بين اللبنانيين.
إن الدعوة إلى الحوار ليست ترفاً سياسياً، بل واجب وطني عاجل، شرط ألا تكون بديلاً عن المطالبة بحقوق لبنان، وألا تتحول إلى غطاء للتأجيل أو الهروب من الاستحقاقات.
فلنبدأ بالانسحاب الإسرائيلي الفوري والكامل ووقف العدوان، ولنفتح بالتوازي باب الحوار الوطني الشامل، على أساس الشراكة واحترام التضحيات ووحدة القرار الوطني.
لبنان أولاً، لا بالشعارات وحدها،
بل بتحرير الأرض، وصون السيادة، وحماية الشعب، وتعزيز الدولة، والاحتكام إلى الحوار والتفاهم الوطني.
فاستعادة الأرض وصون كرامة اللبنانيين هما أساس الاستقرار، والحوار المسؤول هو الطريق إلى وطن ينتصر فيه جميع اللبنانيين، ولا يكون فيه أحد خاسراً أمام مصلحة لبنان العليا.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام
25 تشرين الأول/أكتوبر 2026



