حين يَضعُفُ… يُشعِلُها

 

 

المأزقُ يدفعُه إلى النار — صندوقُهم خذلَه، فصار بابُ هروبه الوحيدُ هو الحرب.

 

المقدمة

في السياسة الطبيعية، الزعيمُ الضعيفُ يَحذَر. أمّا في مدرسة هذا العدوّ، فالزعيمُ الضعيفُ يُقامِر. وها هو نتنياهو خرجَ من صندوق الاقتراع لا منتصراً ولا مهزوماً، بل عالقاً في المنتصف ، أكبرَ حزبٍ بلا أغلبية، ورأسَ معسكرٍ لا يملكُ تشكيلَ حكومة. وهذا بالضبط هو الموقعُ الأخطر: لا هو قويٌّ فيطمئنَّ، ولا هو ساقطٌ فيرحل. رجلٌ محشورٌ في زاوية، وأمامه بابٌ واحدٌ يظنُّه مخرجاً: النار.

 

#أولاً: الصندوقُ خذلَه… والعربُ ردّوه

جرت انتخاباتُهم، ولم تُؤجَّل. والنتيجة؟ عقدةٌ لا حسم. لم يبلغْ نتنياهو الأغلبيةَ التي تُبقيه، ولم يُسقِطْه خصومُه. ومَن حرمه الحسم؟ اسمعوها جيداً: الصوتُ العربيُّ في الداخل المحتلّ. الإقبالُ الفلسطينيُّ الاستثنائيُّ هو الذي كسرَ حسابَه، فإذا بالذين يُفترَضُ أنهم «مواطنون من الدرجة العاشرة» يصيرون بيضةَ القبّان التي تُربكُ مشروعَ أعتى يمينٍ في تاريخهم. درسٌ بليغ: الإرادةُ تَفعلُ في الصندوق ما تَفعلُه في الميدان ، تُربكُ الأقوى حين يظنُّ نفسَه محسوماً له.

 

#ثانياً: ثلاثون يوماً… وبابُ الهروب اسمُه الحرب

الآن أمام نتنياهو نحو ثلاثين يوماً ليُشكّلَ حكومةً لا يملكُ أرقامَها. ثلاثون يوماً من القلق على كرسيّه. وما الذي يُذيبُ الانقساماتِ ويُجبرُ خصومَه على الاصطفاف خلفه ويُحوّلُ هزيمتَه إلى «ضرورةِ وحدةٍ وطنية»؟ حربٌ كبرى. حربٌ على إيران تَفرضُ عليهم جميعاً أن يقفوا خلف القائد «ساعةَ الخطر». الحربُ، بالنسبة له، لم تَعُد سياسةً؛ صارت شريانَ نجاةٍ شخصيّ. ولذلك فإنّ أخطرَ ما في هذه الأسابيع ليس قوّةَ نتنياهو، بل يأسُه. المحشورُ في الزاوية لا يُقامرُ بالوطن؛ يُقامرُ بالمنطقة كلِّها لينجوَ هو.

 

#ثالثاً: النفطُ عند مئةٍ وثمانية عشر دولاراً… والعالمُ يكتوي

وفيما يحسبُ نتنياهو مخارجَه، كان العالمُ يدفعُ فاتورةَ حربه. برميلُ النفط تجاوزَ المئةَ وثمانيةَ عشر دولاراً ، ارتفاعٌ يقاربُ المئةَ بالمئة منذ مطلع العام. ألغامٌ في هرمز تركت ناقلاتٍ مهجورةً في عرض البحر. وسماءُ السعودية صارت مجالاً محظوراً فعلياً، تتجنّبُه كبرى شركات الطيران في العالم. هذه ليست أرقاماً؛ إنها رسالةٌ: مَن أشعلَ الحربَ ظنّاً أنه يُحرقُ غيرَه، تمتدُّ النارُ إلى جيبه هو، وإلى جيب راعيه في واشنطن الذي يكتوي ناخبُه بسعر الوقود.

 

#رابعاً: كاتس يتفاخرُ بالخراب… ويعترفُ بالعجز

وفي لبنان، خرجَ كاتس يتباهى: «دمّرنا أكثرَ من ستين قريةً، وثلاثةً وعشرين ألفَ منزل، وهجّرنا مئتي ألف». وهو يظنُّ أنه يُعدّدُ انتصارات. لكنّ العاقلَ يقرأُ فيها اعترافاً بالفشل: كلُّ هذا الحديد، وكلُّ هذا الخراب، ولم يكسرْ إرادةً، ولم ينزعْ سلاحاً، ولم يُركِعْ حاضنة. مَن يملكُ النصرَ يُحقّقُه؛ ومَن يعجزُ عنه يُحصي البيوتَ التي هدمها ويُسمّيها إنجازاً. الخرابُ ليس قوّة؛ إنه فاتورةُ العجز عن الحسم.

 

#خامساً: كابحان في وجه المغامرة

ولأنّ الله لا يترُكُ الظالمَ بلا كابح، فإنّ في طريق مغامرته عقبتين: جيشٌ منقسمٌ على نفسه، ورئيسُ أركانٍ يتناكفُ مع نتنياهو علناً حول ضرب إيران، حتى تسرّبَ الخلافُ إلى تصويت العسكر. وراعٍ أمريكيٌّ متردّد، يُلوّحُ بالضربة ولا يمنحُ الضوءَ الأخضرَ الكامل، بل يتدخّلُ في تركيبة حكومتهم. العدوُّ ليس كتلةً واحدة؛ إنه معسكرٌ متصدّعٌ يأكلُ بعضُه بعضاً. وهذا، مع جهوزية المحور وإمساكه بشرايين النفط والكابلات والمضائق، يرفعُ كلفةَ أيّ حماقةٍ إلى حدٍّ قد يردعُ حتى اليائس.

#الخاتمة: اقرأوا ضعفَه لا خطابَه

أيُّها الأحرار، لا تقيسوا الخطرَ بعلوّ صوته، بل بعمق مأزقه. فالخطرُ الأكبرُ اليومَ هو أنّ نتنياهو ضعيف، والضعيفُ المحشورُ هو الأقدرُ على الحماقة. راقبوا صندوقَهم المعلَّق، ومفاوضاتِ حكومتهم المتعثّرة؛ فكلُّ يومِ جمودٍ يمرُّ عليه يزيدُ إغراءَ النار. اليقظةُ فرض، والجهوزيةُ عبادة، والصبرُ سلاح.

مَن ثبتَ ثلاث سنواتٍ في وجه الحديد لا تُخيفُه حكومةٌ تُولَدُ ميتة، ولا قائدٌ يبحثُ عن حربٍ ليخبّئَ فيها هزيمتَه. وحين يُشعِلُها هرباً من سقوطه، سيجدُ أنّ النارَ التي أرادها بابَ نجاةٍ هي بابُ نهايته. فالذي يُقامرُ بالمنطقة لينجوَ من صندوقٍ، يخسرُ الصندوقَ والمنطقةَ معاً.

قولوا يا رب.

د. وسيم جابر

شارك