ممرّ النار رئةٌ واحدة….وجيران وحياد

 

الحلقة الرابعة:

 

كتب رياض الفرطوسي

 

يعتمد العراق على النفط في نحو تسعة أعشار إيرادات دولته، وتخرج صادراته الرئيسية من موانئ البصرة عبر الخليج ثم مضيق هرمز. وحين يتعرض هذا الممر لاضطراب أو تهديد أو ألغام، تتأثر موازنة الدولة ورواتبها وخدماتها في أسابيع.

 

وقد جاءت الحرب لتختبر هذه النقطة المزمنة اختباراً قاسياً. ففي مارس كاد المضيق المغلق يوقف معظم الصادرات، وتراجع الإنتاج لأن مخازن البلد لا تتسع لنفط لا يجد طريقه إلى السفن. وقدّر وزير الخارجية فؤاد حسين الخسائر بنحو ستين مليار دولار. وخفّض البنك المركزي قيمة الدينار في سعر بيع الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520، في أول خطوة من نوعها منذ 2023. فاقتصاد يعيش بسلعة واحدة ومنفذ بحري واحد يتنفس برئة واحدة، وحين تضيق يشعر بها المواطن في سعر السوق.

 

لكن الصورة ليست قاتمة كلها. ففي أكتوبر أعلنت وزارة النفط أن الصادرات تجاوزت 3.4 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب مستوى ما قبل الحرب، بعد أن كانت دون ذلك في سبتمبر. وجاء هذا التعافي من ثلاثة طرق: المضيق نفسه، وخط كركوك – جيهان إلى الموانئ التركية، والصهاريج البرية عبر سوريا. وللمرة الأولى منذ عقود نقلت شركة ناقلات النفط العراقية الحكومية مليوني برميل بناقلة عملاقة عبر المضيق، لتسلّم الشحنة خارجه فلا يتحمل المشتري علاوة مخاطر الحرب. وقال وزير الخارجية الإيراني إن بلاده فتحت مسارات مخصصة للسفن التي تحمل النفط العراقي. وأعلنت بغداد نيتها رفع طاقة التصدير إلى خمسة ملايين برميل، وخفض الاعتماد على النفط بزيادة الإيرادات غير النفطية من 10 إلى 45 في المئة بحلول 2037.

 

وقراءة هذه الوقائع لا تحتمل الاحتفال المبكر. فهي كلها محاولات التقاط أنفاس لا استراتيجية طويلة، وبعضها يعتمد على تفاهمات ظرفية قد تتغير بتغير الأحوال. وتذكّرنا الحرب بما كتبه زبيغنيو برجينسكي (مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس كارتر) في (رقعة الشطرنج الكبرى): من يتحكم في الممرات يتحكم في إيقاع العالم. وهرمز ممر تتلاقى عنده مصالح الجميع، وهذا ما يعطي دول الجوار، ومنها إيران، مكانة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب قادم. فمن يريد ممراً آمناً عليه أن يفاوض من يجاوره لا أن يتجاوزه، والعراق بحكم موقعه أقرب الدول إلى فهم هذه القاعدة.

 

أما شروط النجاة فواضحة: منافذ متعددة نحو المتوسط والبحر الأحمر، وربط كهربائي وغازي مع الجيران، ومخزونات استراتيجية، وسعات تخزين تحمينا حين يُغلق الباب، واقتصاد لا يتوقف قلبه كلما اضطرب مضيق. وفي ملف أوبك، يبقى التلويح بإعادة النظر في الحصص ورقة تفاوض، لا بديلاً عن مشروع طويل النفس.

 

في الحلقة القادمة: الجيران يعيدون الحساب، وسؤال الحياد الذي يليق بنا.

[١‏/١١، ٨:٤٥ م] رياض الفرطوسي: ممرّ النار

الحلقة الخامسة: جيرانٌ وحياد

 

كتب رياض الفرطوسي

 

لم يعد (الحزام الشمالي) الذي تحدث عنه المخططون القدامى خطاً واحداً. تركيا تتحرك بحسابات خاصة بها، وإيران تتمسك باستقلال قرارها رغم الضغط، وإسرائيل تتعامل مع جبهات متعددة، والحوثيون يرفعون الكلفة عند باب المندب. وفي الجنوب تتغير حسابات الخليج بعد أن بدت هشاشة المظلة الأمريكية: ضربة الدوحة في سبتمبر 2025، ثم اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في الشهر نفسه.

 

وكان محمد حسنين هيكل (كاتب صحفي مصري) قد نبّه قبل نحو عقدين إلى أن باكستان عنصر يقلب الحسابات، لأن ترسانة قائمة أخطر من احتمال بعيد. وجاءت الأحداث لتثبت بعد نظره: فقد كانت إسلام آباد هي التي حملت الاقتراح الذي أنتج هدنة أبريل، وأدارت الوساطة بين واشنطن وطهران حين تعطلت القنوات الأخرى.

 

المنطقة إذن تعيد ترتيب نفسها، ولا يمكن بناء أمن إقليمي بإقصاء جار كبير ولا بمحاصرته. وقد قال جوزيف ناي (أستاذ في هارفارد صاحب مفهوم القوة الناعمة) إن القوة الحديثة تقوم على قدرة الدولة على جعل الآخرين يريدون ما تريد، لا على إجبارهم. وبهذا المعنى تملك إيران رصيداً ثقافياً وحضارياً ودينياً في الإقليم لا تمحوه الضربات.

 

والعراق الدولة الوحيدة في الجوار التي لا تملك مظلة ولا ترسانة ولا حلفاً ملزماً. لكن لديه ما قد يكون أثمن: موقع يصل الجميع بالجميع. والموقع حين يُدار بحكمة يصنع وسيطاً لا غنى عنه. والوساطة ليست حياداً بارداً، بل سياسة نشطة تحتاج إلى خطاب موحد ومصالح مفهومة وقدرة على الجلوس مع الجميع.

 

ويُطلب من العراق في كل أزمة أن (يختار). لكن الجغرافيا لا تعرف هذا الخيار. فالعلاقة مع إيران ليست ملفاً يُفتح ويُغلق، بل جوار تمتد خيوطه عبر التاريخ والتجارة والعتبات المقدسة وروابط الأسر. وقد درس فالح عبد الجبار (عالم اجتماع عراقي راحل) في «الحركة الشيعية في العراق» كيف تشكلت هذه الشبكات من تفاعل داخلي طويل لا من تصدير خارجي فقط. وكتب فنر حداد (باحث عراقي في شؤون الهويات والطائفية) أن الهويات الفرعية صناعة ظروف وسياسات لا قدر ثابت.

 

وفي المقابل تفرض العقوبات الأمريكية، التي طالت شخصيات ومؤسسات بسبب صلات بإيران، معادلة قاسية: أن تحافظ الدولة على علاقة طبيعية مع جار لا تملك الابتعاد عنه، وتتجنب في الوقت نفسه ضغوطاً قد تمسّ مصارفها وتحويلاتها. وهذه معادلة لا تُحلّ بالشعارات، بل بالحنكة الدبلوماسية. ولفت هيكل إلى أن مشكلة المنطقة ليست في وجود النفوذ، فهو طبيعي بين الجيران، بل في أن يلجأ كل طرف إلى سند خارجي تعويضاً عن نقص في الاستقرار الداخلي.

 

والحياد الذي يليق بالعراق ليس مسافة واحدة من الجميع، بل علاقات متوازنة مع الجميع، قائمة على المصلحة والاحترام وحق كل دولة في أمنها. فالجار لا يُنتقى، لكن علاقتنا به تُصاغ بإرادتنا.

 

في الحلقة الأخيرة: ما بعد الحريق، وسيناريوهات الأيام القادمة.

 

الحلقة الخامسة: جيرانٌ وحياد

 

 

 

لم يعد (الحزام الشمالي) الذي تحدث عنه المخططون القدامى خطاً واحداً. تركيا تتحرك بحسابات خاصة بها، وإيران تتمسك باستقلال قرارها رغم الضغط، وإسرائيل تتعامل مع جبهات متعددة، والحوثيون يرفعون الكلفة عند باب المندب. وفي الجنوب تتغير حسابات الخليج بعد أن بدت هشاشة المظلة الأمريكية: ضربة الدوحة في سبتمبر 2025، ثم اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في الشهر نفسه.

 

وكان محمد حسنين هيكل (كاتب صحفي مصري) قد نبّه قبل نحو عقدين إلى أن باكستان عنصر يقلب الحسابات، لأن ترسانة قائمة أخطر من احتمال بعيد. وجاءت الأحداث لتثبت بعد نظره: فقد كانت إسلام آباد هي التي حملت الاقتراح الذي أنتج هدنة أبريل، وأدارت الوساطة بين واشنطن وطهران حين تعطلت القنوات الأخرى.

 

المنطقة إذن تعيد ترتيب نفسها، ولا يمكن بناء أمن إقليمي بإقصاء جار كبير ولا بمحاصرته. وقد قال جوزيف ناي (أستاذ في هارفارد صاحب مفهوم القوة الناعمة) إن القوة الحديثة تقوم على قدرة الدولة على جعل الآخرين يريدون ما تريد، لا على إجبارهم. وبهذا المعنى تملك إيران رصيداً ثقافياً وحضارياً ودينياً في الإقليم لا تمحوه الضربات.

 

والعراق الدولة الوحيدة في الجوار التي لا تملك مظلة ولا ترسانة ولا حلفاً ملزماً. لكن لديه ما قد يكون أثمن: موقع يصل الجميع بالجميع. والموقع حين يُدار بحكمة يصنع وسيطاً لا غنى عنه. والوساطة ليست حياداً بارداً، بل سياسة نشطة تحتاج إلى خطاب موحد ومصالح مفهومة وقدرة على الجلوس مع الجميع.

 

ويُطلب من العراق في كل أزمة أن (يختار). لكن الجغرافيا لا تعرف هذا الخيار. فالعلاقة مع إيران ليست ملفاً يُفتح ويُغلق، بل جوار تمتد خيوطه عبر التاريخ والتجارة والعتبات المقدسة وروابط الأسر. وقد درس فالح عبد الجبار (عالم اجتماع عراقي راحل) في «الحركة الشيعية في العراق» كيف تشكلت هذه الشبكات من تفاعل داخلي طويل لا من تصدير خارجي فقط. وكتب فنر حداد (باحث عراقي في شؤون الهويات والطائفية) أن الهويات الفرعية صناعة ظروف وسياسات لا قدر ثابت.

 

وفي المقابل تفرض العقوبات الأمريكية، التي طالت شخصيات ومؤسسات بسبب صلات بإيران، معادلة قاسية: أن تحافظ الدولة على علاقة طبيعية مع جار لا تملك الابتعاد عنه، وتتجنب في الوقت نفسه ضغوطاً قد تمسّ مصارفها وتحويلاتها. وهذه معادلة لا تُحلّ بالشعارات، بل بالحنكة الدبلوماسية. ولفت هيكل إلى أن مشكلة المنطقة ليست في وجود النفوذ، فهو طبيعي بين الجيران، بل في أن يلجأ كل طرف إلى سند خارجي تعويضاً عن نقص في الاستقرار الداخلي.

 

والحياد الذي يليق بالعراق ليس مسافة واحدة من الجميع، بل علاقات متوازنة مع الجميع، قائمة على المصلحة والاحترام وحق كل دولة في أمنها. فالجار لا يُنتقى، لكن علاقتنا به تُصاغ بإرادتنا.

 

في الحلقة الأخيرة: ما بعد الحريق، وسيناريوهات الأيام القادمة.

 

شارك