حين يُجهّزون الدروع… يُجهّزون الهجوم

 

 

مفاجأتُهم في انتظارها مفاجأة ، والردُّ هذه المرّة بلا حدود.

 

المقدمة

يظنُّ العدوُّ أنّ الحربَ تُحسَمُ بلحظة صدمة. ضربةٌ واحدةٌ مباغتة، تقطعُ الرأسَ، فيسقطُ الجسدُ كلُّه. هذه عقيدتُه كلُّها: المفاجأةُ تَسبقُ الردَّ فتُلغيه. وقد خرجَ مسؤولوه هذا الأسبوع يُلوّحون بها صراحة: «ضربةٌ درامِيّةٌ لقطع رأس القيادة لا تزال مطروحة»، و«المفاجآتُ أساسُ نهجنا، ونحن نُخفي أوراقاً». لكنهم نسُوا شيئاً واحداً: أنّ في الضفة الأخرى عقيدةً تنتظرُهم، وأنّ مفاجأتَهم ستُلاقي مفاجأة.

 

#أولاً: أمرٌ لا يحتاجُ إذناً – الردُّ بلا حدود

في مواجهة عقيدة البيجر، صدرَ الأمرُ من قيادة المحور واضحاً لا لبسَ فيه: كلُّ تهديد، مهما كان نوعُه ومستواه، يُقابَلُ بردٍّ فوريٍّ وفعّالٍ دون قيودٍ جغرافية. اقرأوا هذه الكلمةَ جيداً: «دون قيودٍ جغرافية». معناها أنّ قواعدَهم ومصالحَهم لم تَعُد في مأمنٍ خلف البحار؛ صارت في المرمى، في الإقليم وخارجه، في غرب آسيا وفي عمق أوروبا. لم يَعُدِ الردُّ ينتظرُ اجتماعاً ولا قراراً؛ صار أمراً مُبرَماً سلفاً. وهذا وحدَه يُسقِطُ رهانَهم: فمن جهّزَ رداً مؤتمتاً لا يُخيفُه مَن يراهنُ على نزع رأسه.

 

#ثانياً: لماذا تفشلُ عقيدةُ «قطع الرأس»

رهانُهم كلُّه على وهمٍ واحد: أنّ قطعَ الرأس يُسقِطُ الجسد. وهذا يصحُّ في جسدٍ له رأسٌ واحد. أمّا المقاومةُ ومحورُها فبنيةٌ موزّعةٌ لا هرم؛ كلُّ خليّةٍ فيها تحملُ الأمرَ، وكلُّ موقعٍ يَعرفُ واجبَه، والردُّ لا ينتظرُ إشارةً من قمّة. هكذا صُمّمت، بعد عقودٍ من محاولات «قطع الرأس» التي لم تُسقِطْ شيئاً. فليُنفّذوا مفاجأتَهم؛ سيكتشفون أنّ الجسدَ الذي ظنّوه بلا رأسٍ هو جسدٌ كلُّه رؤوس. كلُّ ضرباتهم قتلت أفراداً، لكنها لم تقتلْ إرادة. والإرادةُ الموزّعةُ لا تُقطَعُ بضربة.

 

#ثالثاً: حين يُجهّزون الدروع… يُجهّزون الهجوم

وإنْ أردتم دليلاً لا يكذب على ما يُحضّرون، فلا تسمعوا خطابَهم؛ راقبوا أفعالَهم. في الأيام الماضية فتحَ الأمريكيون جسراً جوياً عسكرياً: عشرُ طائرات شحنٍ في يومٍ واحد، محمّلةٌ ببطاريات دفاعٍ جوّي، وباتريوت يُوزَّعُ على قواعدهم في الكيان والمنطقة. وهنا المفتاح: الدرعُ لا يُنصَبُ استعداداً للسلام؛ يُنصَبُ استعداداً لتلقّي الرد. حين تراهم يُكثّفون دفاعاتهم فجأةً، فاعلمْ أنهم يُهيّئون أنفسَهم لموجةٍ قادمة – أي أنهم يُجهّزون الهجوم. والأهمُّ: أنهم بنصبهم الدرعَ يعترفون، من حيث لا يريدون، أنّ ردَّنا آتٍ، وأنه يُرعبُهم. مَن يثقُ بأنه سيُنهي الخصمَ بضربةٍ لا يُكدّسُ البطاريات.

 

#رابعاً: الشرايينُ في قبضتنا

ولأنّ الردعَ لا يكونُ بالكلام، فإنّ المحورَ يُمسكُ بشرايين العالم: النفطُ تجاوزَ المئةَ وثمانيةَ عشر، فوقَ ذروة الحرب السابقة كلِّها؛ واليمنُ يُحكِمُ الطوقَ وتعزُّ قاب قوسين من التحرير، وسماءُ السعودية محظورةٌ فعلياً؛ والكابلاتُ في هرمز وباب المندب ورقةٌ تجعلُ أيَّ حماقةٍ كارثةً رقميةً ومالية على العالم بأسره. هذه ليست تهديداتٍ فارغة؛ إنها أدواتٌ تُحوّلُ ضربتَهم «المحدودة» إلى حريقٍ لا يَقدرون على إطفائه. اضربْ، تُشعلِ العالم – تلك هي المعادلة.

 

#الخاتمة: اليقظةُ في لحظة الهدوء

لا تُخدَعوا بصمتٍ مفاجئ، ولا بكلمةٍ معسولةٍ عن «التهدئة». فعقيدةُ عدوّكم قائمةٌ على المباغتة، وأخطرُ ساعاته ساعةُ طمأنته. راقبوا دروعَهم لا خطابَهم، وباتريوتهم لا تصريحاتهم. اليقظةُ فرض، والجهوزيةُ عبادة، والثقةُ بوعد الله سلاح.

ليُجهّزوا مفاجأتَهم؛ فعندنا لها مفاجأة. وليُكدّسوا دروعَهم؛ فهي شهادتُهم أنهم خائفون. مَن ثبتَ ثلاث سنواتٍ في وجه الحديد لا تُسقِطُه صدمةٌ عابرة، ومَن بنى إرادتَه موزّعةً لا رأسَ لها لا يُقطَعُ بضربة. الدرعُ لن يحميهم، والمفاجأةُ التي يُعدّونها ستنقلبُ عليهم، والردُّ هذه المرّة بلا حدود.

 

قولوا يا رب.

 

د. وسيم جابر

شارك