نبكي وعد بلفور.. فمن يكتب وعود الهزيمة الجديدة؟

فايز أبو عيد*
في ذكرى وعد بلفور، إلى المتباكين على ضياع فلسطين، وإلى الذين يستعيدون كل عام تفاصيل الخديعة البريطانية، ويرفعون الشعارات ذاتها، ويجددون العهود والوعود، ثم يعودون إلى حياتهم وكأن شيئاً لم يكن: هل فكرتم يوماً أن المشكلة لم تعد في وعد بلفور وحده، بل فيما أصبحنا عليه بعد أكثر من قرن على صدوره؟
في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917، أصدرت بريطانيا وعدها المشؤوم بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في واحدة من أكثر المحطات قسوة في التاريخ العربي الحديث. لم يكن ذلك الوعد مجرد رسالة دبلوماسية بعث بها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد روتشيلد، بل كان تعبيراً عن اختلال فادح في موازين القوة، وعن غياب أصحاب الأرض عن طاولة القرار، فيما كانت القوى الكبرى تتقاسم المنطقة وتقرر مصير شعوبها.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطاردنا اليوم ليس: لماذا فعلت بريطانيا ذلك؟ فهذا جزء من تاريخ موثق، ولا يحتاج إلى مزيد من المراثي.
السؤال الأكثر إيلاماً: ماذا فعلنا نحن منذ ذلك الوقت حتى لا تتكرر المأساة؟
الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها أن وعد بلفور لم يكن دليلاً على قوة بريطانيا وحدها، بل كان أيضاً دليلاً على ضعفنا وتشتتنا وقلة حيلتنا، وعلى عجزنا عن امتلاك مشروع سياسي يحمي الأرض والإنسان والقرار، فالتاريخ لا تصنعه نوايا الشعوب وحدها، بل تصنعه أيضاً قدرتها على حماية مصالحها، وبناء مؤسساتها، وتوحيد مواقفها، وامتلاك أدوات التأثير في عالم لا يحترم الضعفاء.
منذ ذلك التاريخ، توالت المحطات التي أعادت رسم المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى. اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، ثم وعد بلفور عام 1917، وصولاً إلى مؤتمر سان ريمو عام 1920، الذي وضع أسس نظام الانتداب على أجزاء واسعة من المشرق العربي، لم تكن تلك الأحداث منفصلة عن بعضها، بل شكلت حلقات في مرحلة أعيد فيها ترتيب الجغرافيا السياسية للمنطقة، بينما كان العرب خارج دائرة التأثير الحاسم في تقرير مصيرهم.
والمفارقة أننا، بعد أكثر من مئة عام، ما زلنا نتعامل مع تلك المحطات باعتبارها أحداثاً انتهت، لا دروساً ينبغي أن تغير حاضرنا، نتغنى بأمجاد الماضي، ونستحضر بطولات الأجداد، ونلعن اتفاقيات التقسيم، لكننا نادراً ما نتوقف أمام واقعنا الراهن، ونسأل أنفسنا عن أسباب استمرار الانقسام، وتراجع الدور، وتآكل القدرة على حماية المصالح المشتركة.
ما يحدث اليوم في العالم العربي لا يقل خطورة عن لحظات الانكسار التاريخية، بل إن بعض مظاهره أكثر إيلاماً؛ فالأوطان التي كانت تخشى التقسيم أصبحت تعاني من الحروب والتفكك والنزوح، وشعوب دفعت أثماناً باهظة من دمائها واستقرارها باتت تبحث عن الحد الأدنى من الأمان والعيش الكريم، وفي الوقت الذي تتغير فيه التحالفات وموازين القوى، وتتصارع المشاريع الإقليمية والدولية على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية، لا يزال النظام العربي عاجزاً عن بلورة موقف جامع يواكب حجم التحولات.
وليس المقصود هنا الجزم بأن سايكس بيكو جديدة تُطبخ خلف الأبواب المغلقة، أو أن التاريخ يعيد نفسه بالتفاصيل ذاتها، فلكل مرحلة ظروفها وأدواتها. لكن المؤشرات التي تفرضها حالة التفكك والصراعات المفتوحة وتراجع القدرة على التأثير تجعل التحذير من خرائط جديدة للنفوذ والتبعية أمراً مشروعاً، بل ضرورة سياسية لا تحتمل التجاهل.
إن أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس صدور وعد جديد من عاصمة غربية، ولا اجتماعاً دولياً يعيد توزيع مناطق النفوذ، بل أن نصل إلى تلك اللحظة ونحن لا نملك من القوة والوحدة والإرادة ما يسمح لنا بالاعتراض أو حتى التفاوض على شروط مستقبلنا.
فالقوى الكبرى لا تحتاج دائماً إلى اتفاقيات سرية لتفرض مصالحها؛ يكفي أحياناً أن تجد أمامها دولاً منهكة، ومجتمعات منقسمة، ونخباً منشغلة بصراعاتها، وشعوباً استُنزفت في معارك داخلية، حتى تصبح إعادة ترتيب المنطقة أمراً ممكناً بأقل التكاليف.
أما فلسطين، التي كانت ضحية وعد بلفور، فلا تزال شاهداً حياً على عجز العالم عن إنصاف شعبها، وعلى الفجوة الهائلة بين الخطاب العربي والواقع. وما جرى في غزة وما يجري في الضفة لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة موسمية لاستعراض المواقف، بل إلى اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على تحويل التضامن إلى فعل سياسي وإنساني وقانوني مستمر.
إن استحضار وعد بلفور لا قيمة له إذا اقتصر على استعادة مشاهد الألم، وتكرار العبارات المحفوظة، وتبادل الاتهامات، قيمته الحقيقية أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا، والاعتراف بأن الشعوب التي لا تمتلك مشروعاً لمستقبلها ستظل رهينة مشاريع الآخرين، وأن السيادة لا تُستعاد بالخطب، ولا تُحمى بالحنين إلى أمجاد مضت.
قد لا يكتب التاريخ اتفاقية جديدة تحمل أسماء سايكس وبيكو، وقد لا نرى وعداً جديداً يحمل اسم بلفور، لكن ذلك لا يعني أن المنطقة بمنأى عن إعادة التشكل والتقسيم وتوزيع النفوذ.
فكفانا بكاءً على وعد بلفور، ولنتوقف قليلاً أمام وعود الهزيمة التي نصنعها بأيدينا.
فالمأساة ليست فقط أن بريطانيا وعدت بفلسطين قبل أكثر من قرن، بل أن أجيالاً تعاقبت منذ ذلك اليوم، وما زلنا حتى الآن نبحث عن وسيلة تمنع الآخرين من تقرير مصيرنا.

*إعلامي وباحث فلسطيني

شارك