
من الرفض إلى الفعل.. كيف ينتزع الفلسطينيون حقهم في التمثيل؟
فايز أبو عيد*
لا يكفي أن يشعر الفلسطينيون في الخارج بأن أصواتهم غير مسموعة، أو أن يعلنوا رفضهم لآليات التمثيل القائمة، فالتحدي الحقيقي يبدأ بتحويل هذا الاعتراض إلى عمل منظم يتيح لهم المشاركة في صناعة القرار الوطني، ومتابعة المؤسسات التي تتحدث باسمهم ومساءلتها.
وتتجاوز قضية تمثيل فلسطينيي الخارج مسألة تخصيص مقاعد في المؤسسات الوطنية أو إجراء انتخابات، لتطرح أسئلة جوهرية حول حق المشاركة، وآليات اختيار الممثلين، ومدى شفافية العملية التمثيلية، والضمانات التي تكفل حضور الفلسطينيين في أماكن وجودهم ضمن الحياة السياسية الوطنية.
فالتمثيل لا يبدأ يوم الانتخاب ولا ينتهي بإعلان النتائج، بل يقوم على علاقة مستمرة بين الممثلين والناس، أساسها إتاحة المعلومات، وحق النقاش، والمشاركة في القضايا العامة، ومتابعة القرارات والمساءلة. ولذلك، لا يمكن اختزال الديمقراطية في صندوق الاقتراع وحده، بل ينبغي أن تشمل أيضاً حق التنظيم السلمي والاعتراض ومراقبة أداء المؤسسات.
من الاعتراض إلى تنظيم المطالب
إن رفض آلية تمثيلية لا يكتمل أثره بمجرد إعلان الموقف منها، بل يحتاج إلى بدائل ومطالب واضحة. ويمكن للفلسطينيين في الخارج البدء بتشكيل مبادرات مستقلة، وتنظيم لقاءات حوارية تجمع أبناء الجاليات، وإعداد أوراق تتضمن ملاحظاتهم ومقترحاتهم بشأن آليات التمثيل، ورفعها إلى الجهات المعنية ومتابعة الردود عليها.
كما يتطلب ذلك المطالبة بمعايير معلنة لاختيار الممثلين، وضمانات تتيح مشاركة أوسع للفلسطينيين في مختلف بلدان الشتات، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالبرامج والقرارات، ووجود قنوات واضحة للاعتراض والمساءلة.
فبدلاً من بقاء الاعتراضات متفرقة أو محصورة في النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن تحويلها إلى مطالب مشتركة تستند إلى معلومات موثقة، وتحظى بدعم مجموعات مدنية ومهنية وقانونية وإعلامية.
المشاركة لا تنتهي عند الانتخاب
حتى عندما تتوفر انتخابات شفافة وشاملة، فإنها لا تمثل نهاية المشاركة، بل بداية علاقة تستوجب استمرار التواصل بين الممثلين والناس. فمن حق المجتمع معرفة البرامج والمواقف، ومتابعة القرارات، ومناقشة أداء ممثليه، ومطالبتهم بتوضيح خياراتهم.
ومن هنا تبرز أهمية مساءلة المرشحين والممثلين عن برامجهم، وكيفية تواصلهم مع الجاليات، والآليات التي سيعتمدونها لإطلاع الناس على أعمالهم. فالتمثيل مسؤولية عامة، وليس تفويضاً مفتوحاً ينتهي بمجرد اختيار الممثل.
الإعلام والشباب وإدارة الاختلاف
يؤدي الإعلام دوراً أساسياً في توسيع النقاش حول التمثيل، من خلال نقل المعلومات والتحقق منها، وفتح المجال أمام الآراء المختلفة، ومتابعة أداء المؤسسات بعيداً عن التشهير والتحريض. كما تتيح التكنولوجيا إنشاء منصات للحوار واستطلاعات للرأي وأرشفة الوثائق وربط أبناء الجاليات في بلدان مختلفة، لكنها لا تغني عن التنظيم والعمل المدني المستمر.
ويستدعي بناء تمثيل أكثر شمولاً إشراك الشباب والنساء والكفاءات الفلسطينية في النقاش وصناعة المبادرات، لا التعامل معهم بوصفهم مجرد جمهور أو متطوعين. كما يتطلب استعداداً حقيقياً لقبول الاختلاف؛ فالمطالبة بالديمقراطية تفقد معناها عندما يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين أو إقصاء.
مساحات مشتركة مع التجربة السورية
وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفلسطيني والسوري تاريخياً وسياسياً وقانونياً، فإن التجربتين تلتقيان عند أهمية انتقال الإنسان من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في الشأن العام.
ويمكن للسوريين، في الداخل والخارج، الإسهام في هذا المسار من خلال التوثيق والمبادرات المجتمعية والمساعدة القانونية والإعلام المهني والدفاع السلمي عن الحقوق، وبناء شبكات تعاون تعمل وفق أهداف واضحة وأطر قانونية.
وتؤكد هذه المساحات المشتركة أن العمل المدني لا يحتاج دائماً إلى مؤسسات كبيرة كي يبدأ، بل يمكن أن ينطلق من مجموعات صغيرة تتفق على قضية محددة، وتعمل على متابعتها بصورة منظمة وسلمية.
خطوة عملية خلال ثلاثين يوماً
يمكن تحويل هذه الأفكار إلى خطوات ملموسة، بأن يحدد كل مشارك عملاً واحداً يلتزم به خلال الثلاثين يوماً التالية: الاطلاع على وثيقة تتعلق بآليات التمثيل، أو إعداد ورقة مطالب، أو تنظيم لقاء لأبناء الجالية، أو إطلاق مبادرة توثيق، أو التواصل مع جهة معنية لطرح أسئلة محددة حول المشاركة والمساءلة.
فالتغيير لا يبدأ بالضرورة من المؤسسات الكبرى، بل قد ينطلق من مبادرة صغيرة تتوسع مع الوقت، وتتحول إلى عمل جماعي قادر على إيصال المطالب ومتابعتها.
إن السؤال لم يعد فقط: من يمثل الفلسطينيين؟ بل كيف يستطيع الفلسطينيون في الخارج أن يكونوا شركاء في اختيار ممثليهم، وصياغة مطالبهم، ومراقبة أدائهم؟
هل سيبقى الفلسطيني في الخارج متلقياً لقرارات تُتخذ باسمه، أم ينتقل إلى موقع الشريك الذي يشارك في صياغتها ومتابعتها ومساءلة من يتخذها؟
بين الرفض والفعل تتحدد هذه المسافة، ولا تُختصر في موقف احتجاجي، بل تُبنى بالمعرفة والتنظيم والمطالبة والمشاركة السلمية.
*إعلامي وباحث فلسطيني



