
وهم الحرية المستوردة وعبودية المحاصصة: قراءة في تناقضات النخب السياسية
بقلم/ الكاتب والباحث في الشأن السياسي والإجتماعي
الشيخ عدنان صگر الخليفه
رئيس إتحاد القبائل العراقية
حين يقف السياسي أو الكاتب في منطقتنا العربية متغنياً ببهجة الانتخابات الأمريكية ونزاهة تداول السلطة هناك، فإنه يمارس نوعاً من الانفصام الفكري الفج والهروب من مواجهة الحقيقة المرّة. إن الاحتفاء العارم بفوز هذا الحزب أو ذاك في واشنطن لا يعدو لكونه استهلاكاً إعلامياً فارغاً لواقع مزيف يعيشه من يتبجحون بتلك الديمقراطية. فالمواطن الأمريكي يمارس حريته ويحاسب ممثليه بلا خوف، لأنه يمتلك وطناً ومؤسسات تحترم آدميته، بينما ينتخب العراقيون تحت سطوة منظومة سياسية صُممت خصيصاً لإلغاء أي عقاب حقيقي لمن يخفق في إدارة الدولة.
إن من يتباهون بانتخابات الولايات المتحدة وبحرية الشعب وانتصاره هناك مطالبون بأن يجيبوا عن سؤال جوهري: من فاز في انتخابات أمريكا ومن سيحكمها؟ فالأمر هناك واضح وضوح الشمس؛ إما الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي، والجمهور يحاسب الفائز بدقة في حال فشله أو نجاحه. أما في العراق، فالتساؤل المشروع هو: من الذي يحكم حقاً لكي يستطيع الشعب العراقي محاسبته؟ هل هناك حزب معين فاز بصناديق الاقتراع أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تقاسماً للمحاصصة المظلمة؟ إنهم يشكلون منظومة شبيهة بتلك الفرقة التي تآمرت لتفرق دم النبي بين القبائل كي يضيع الحق، وهكذا هو النظام في العراق؛ يقتل العراقيين، وتُنهب ثرواتهم، وتسلب حقوقهم الصريحة، ليبقى دمهم ووجعهم ضائعين بين أحزاب التغانم والتقاسم التي تتشارك في السلطة وتتوارث الخراب دون رادع أو حساب حقيقي.
إن الخلل الجوهري لا يكمن في شكل الانتخابات فحسب، بل في البنية الفاسدة التي تستبدل إرادة الشارع بتوافقات الغرف المغلقة. في الدول الحرة، الخاسر يغادر المشهد بلا رجعة ليفسح المجال للبديل، أما في العراق، فإن هندسة المحاصصة تضمن بقاء الجميع في مقاعد الحكم بغض النظر عن أصوات الناخبين أو حجم تراجعهم الشعبي. حتى المستقلون الذين ينجحون بأصوات الجماهير يصطدمون بآلة التقاسم والتغانم التي تفرغ أصوات الناس من مضامينها، ليتحولوا إلى مجرد ديكورات تمرر من خلالها قرارات أمراء الطوائف والكتل. إن بقاء الفاشل في سدة الحكم وتأبيد قيادة من يعاقبهم المجتمع يعكسان هدماً كاملاً لمبدأ الثواب والعقاب الديمقراطي.
لذا، فإن التغني بانتخابات الآخرين بينما يُستباح الوطن بالتبعية والاستعباد للمغانم يعد سقطة أخلاقية كبرى. من المخجل حقاً أن يتغزل الإنسان بحرية الشعوب الأخرى وهو يرتضي لنفسه ولشعبه قيود العبودية الحزبية والطائفية. إن احترام عقول العراقيين يبدأ بسن قوانين انتخابية حقيقية تجعل العراق دائرة واحدة تضمن إرادة الشعب لا رغبات المنتفعين، وإلا فإن كل شعارات التباهي بديمقراطية العالم الحر لن تزيد هذه النخب إلا سقوطاً في وحل التناقض والازدواجية المستمرة.



