واشنطن بعد الموجة الزرقاء.. وهرمز على حافة القرار

 

كتبت نداء حرب

 

لم يكن صباح الخامس من تشرين الثاني 2026 صباحاً عادياً في واشنطن، فبعد أقل من 48 ساعة على ليلة انتخابية قلبت موازين الكونغرس، بدأت العاصمة الأمريكية تستيقظ على واقع سياسي جديد: رئيس جمهوري في البيت الأبيض، وكونغرس ديمقراطي في الكابيتول، وحرب في الخليج تبحث عن مخرج، وأسواق نفط تراهن على أن السياسة ستنتصر أخيراً على البارود، ما جرى في صناديق الاقتراع لم يكن مجرد تبديل للأغلبية، بل كان استفتاءً شعبياً على الحرب والمعيشة، وبداية مرحلة إعادة حسابات ستتجاوز حدود أمريكا إلى مضيق هرمز وأوكرانيا والعالم كله.

 

أولاً: انكسار الجمهوريين.. وترامب بين الإنكار وإعادة التموضع

 

أولى إشارات الزلزال جاءت من داخل الحزب الجمهوري نفسه، فقد أكد المتحدث باسم رئيس مجلس النواب مايك جونسون أن جونسون سيتنحى عن قيادة حزبه بعد الهزيمة الساحقة، وهو تطور بالغ الدلالة، لأن جونسون ليس نائباً عادياً، بل ثاني شخص في ترتيب خلافة الرئيس بعد دونالد ترامب وجي دي فانس، تنحّيه ليس استقالة فرد، بل اعتراف مؤسسي بأن مرحلة ما بعد الانتخابات تحتاج قيادة جديدة، وربما لغة جديدة.

 

أما ترامب، فقد تحرك بين خطابين متناقضين، فمن جهة، هنّأ الديمقراطيين واعترف بأن «حرب إيران» لعبت دوراً في خسارة حزبه، ورفض في الوقت نفسه أن يعتبر النتيجة «ضربة له» شخصياً. ومن جهة أخرى، لوّح بورقته الأقوى المتبقية: حق النقض. فقد نشر صورة قبعة حمراء كُتب عليها «VETO»، وقال إنه سيتعاون مع الديمقراطيين «ما لم يريدوا أن يكونوا مدمّرين»، لكنه أضاف: «لديّ سلطة الفيتو»، إنها لغة رئيس يدرك أن التشريع انتقل من يديه، وأن ما تبقى له هو القدرة على التعطيل، لا القدرة على البناء.

 

ولم يتوقف الأمر عند ترامب، فقد بدأ نائبه جي دي فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه الوريث السياسي المحتمل، بالتمايز علناً عن الحرب، محمّلاً إياها مسؤولية الخسارة، وبناء تحالف جديد استعداداً لانتخابات 2028. هذا التمايز ليس تفصيلاً هامشياً، بل إشارة مبكرة إلى أن معركة خلافة ترامب بدأت قبل أن تنتهي ولايته، وأن الحرب التي وحّدت الحزب ذات يوم صارت اليوم عبئاً يفرّق قادته.

 

وفي الدائرة الأضيق، وُضع مستقبل وزير الدفاع بيت هيغسيث على طاولة النقاش، ترامب قال للصحافيين إنه «يقوم بعمل جيد جداً»، لكن مصادر مطلعة أكدت أنه يسأل مساعديه عما إذا كان يجب أن يبقى، فيما طُرح اسم حاكم فلوريدا رون ديسانتيس بديلاً محتملاً، وحين يصبح وزير الحرب نفسه موضع مساءلة، فذلك يعني أن الحرب لم تعد ملفاً خارجياً فقط، بل أصبحت ملفاً داخلياً يقرر مصائر الوزراء والانتخابات معاً.

 

أما الديمقراطيون، فقد نالوا أكثر مما توقعوا: السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، والقدرة على تعطيل التشريعات، وفتح التحقيقات، وتحدي التعيينات، لكن قوتهم الحقيقية ليست في عدد المقاعد، بل في أنهم يملكون الآن «سردية الناخب»: نحن من أوقفنا الحرب، وأنتم من أشعلتموها، وهذه السردية، إن أحسنوا إدارتها، قد تصبح مقدمة لانتخابات 2028، وإن أساؤوا استخدامها في معارك العزل والانتقام، فقد تنقلب عليهم، وهو ما أدركه ترامب حين قال إن العزل «سيدمّر الحزب الديمقراطي».

 

ثانياً: هرمز.. حين يصبح النفط ورقة تفاوض لا وقود حرب

 

في الوقت الذي كانت فيه واشنطن منشغلة بتداعياتها الداخلية، كان مضيق هرمز يشتعل بصمت. فقد اشتعلت النيران في أربع ناقلات نفط بعد اصطدامها بألغام أثناء محاولتها العبور، بينها ناقلتان وقاطرة ليلاً، في حادثة رفعت منسوب القلق العالمي حول الشريان الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال.

 

الرد الأمريكي لم يتأخر: وزارة الخزانة حذّرت شركات الشحن من دفع أي رسوم أو «تبرعات» لإيران مقابل العبور، مهددةً بفرض عقوبات على من يفعل، الرسالة واضحة: واشنطن لن تسمح لطهران بتحويل المضيق إلى مصدر دخل، حتى لو كان ذلك تحت غطاء إنساني أو خيري. لكن طهران ردّت بورقة أخرى: إعفاء سفن أربع دول، الهند والصين والعراق وقطر، من قيود العبور، وقالت إن سفنها «تمر بحرية ولا يعترضها الأمريكيون»، إنها محاولة ذكية لتفكيك الجبهة الدولية، وإظهار أن الحصار ليس شاملاً، وأن إيران قادرة على اختيار أصدقائها وخصومها في البحر كما في البر.

 

الأهم من ذلك، أن طهران وضعت شروطها على الطاولة علناً: إعادة فتح المضيق خلال يومين إذا وافقت واشنطن على إنهاء الحصار البحري، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وفي المقابل، أكد الرئيس مسعود بزشكيان أن بلاده تسعى إلى الحوار، وأن تجدد الحرب لن يفيد أحداً، بينما اعتبر كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أن الناخبين الأمريكيين صوّتوا «لا للحرب».

 

هنا تتقاطع السياستان الداخلية والخارجية. فالانتخابات الأمريكية منحت طهران ورقة تفاوض لم تكن تملكها قبل 48 ساعة: رئيس أمريكي ضعيف برلمانياً، وكونغرس جديد يميل إلى كبح جماح الحرب، وسوق نفط يضغط باتجاه التهدئة. وليس صدفة أن خام برنت هبط إلى ما دون 94 دولاراً للبرميل، بعد انخفاض بنحو 9% في جلسة واحدة، مع توقعات بأن تضغط النتائج باتجاه إنهاء الحرب، السوق، كما هي عادته، يسبق السياسيين إلى قراءة المستقبل.

 

وفي الخلفية، تتحرك وساطة قطرية لمحاولة تأمين دعم أمريكي وإيراني لمسودة اتفاق تمنع تجدد القتال، بينما تبحث طهران مع سلطنة عُمان مساراً جديداً للعبور الآمن. لكن واشنطن ما زالت مترددة: تقارير صحافية تحدثت عن انقسام داخل البيت الأبيض بين من يدفع ترامب نحو ضربات جديدة تليها مفاوضات، ومن ينصحه بتقليص العملية وتقليل الخسائر. هذا التردد ليس ضعفاً فقط، بل انعكاس لمعادلة جديدة: ترامب الذي كان يملك قرار الحرب منفرداً، صار اليوم يحتاج إلى حسابات الكونغرس والسوق والناخب قبل أن يضغط على الزناد.

 

ما بعد الليلة: عاصمة منقسمة وبحر متوتر

 

ما يربط الملفين، الأمريكي والإيراني، ليس المصادفة، بل المنطق نفسه: الناخب الأمريكي عاقب الحرب بغلاء المعيشة، وطهران قرأت العقاب كفرصة، والسوق قرأه كإشارة تهدئة، لكن الفرص لا تعني النهايات. فالكونغرس الديمقراطي الجديد قد يكبح الحرب، لكنه قد يدفع ترامب أيضاً إلى مغامرات خارجية لاستعادة المبادرة. وإيران قد تفتح المضيق، لكنها لن تتخلى عن ورقة الإغلاق ما لم تحصل على ضمانات حقيقية.

 

واشنطن بعد الخامس من تشرين الثاني ليست واشنطن قبله، إنها عاصمة منقسمة: رئيس يملك الفيتو، وكونغرس يملك التشريع والتحقيق، ونائب رئيس يفكر في 2028، ووزير دفاع يقاتل من أجل منصبه. وهرمز بعد الليلة نفسها ليس هرمز قبلها: مضيق يشتعل ويُتفاوض عليه في آن واحد، وناقلات تحترق وسفن تُعفى، ووساطات تتحرك في الظل.

 

السؤال الآن ليس: هل انتهت الحرب؟ بل: هل يملك الطرفان شجاعة تحويل هزيمة سياسية في واشنطن إلى فرصة سلام في الخليج؟ الإجابة، كما هي العادة في السياسة، لن تأتي من التصريحات، بل من أول سفينة تعبر هرمز بأمان، و

أول قانون يمر في الكونغرس دون فيتو.

 

شارك