الدبلوماسية السورية… حكاية نخبة جمعت بين المعرفة والثقافة والتمثيل الدولي

سفراؤنا

 

حين كان السفراء شعراء وعلماء وأدباء

 

الدبلوماسية السورية… حكاية نخبة جمعت بين المعرفة والثقافة والتمثيل الدولي

 

لم تكن الدبلوماسية السورية، في العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال، مجرد وظيفة إدارية أو موقع بروتوكولي لتمثيل الدولة في الخارج. فقد كانت، في جانب مهم منها، امتداداً طبيعياً لنخبة سورية امتلكت تكويناً علمياً وثقافياً رفيعاً، وجمعت بين القانون والأدب والطب والاقتصاد واللغات والعلوم السياسية.

 

وكان لافتاً أن تجد في السلك الدبلوماسي السوري شعراء وروائيين ومترجمين وأساتذة جامعات وقانونيين، يحملون إلى جانب صفاتهم الرسمية رصيداً معرفياً وإنسانياً جعل حضورهم يتجاوز حدود السفارة إلى الأوساط الثقافية والفكرية في البلدان التي عملوا فيها.

 

سفراء كتبوا الشعر وصنعوا حضوراً في الأدب العربي

 

يأتي عمر أبو ريشة في مقدمة هذه النماذج؛ الشاعر الذي لم يكن مجرد اسم كبير في الأدب العربي، بل دبلوماسياً سورياً مثّل بلاده في عواصم عديدة، منها ريو دي جانيرو وبوينس آيرس ونيودلهي وفيينا وواشنطن. وقد جمع بين الشعر والاهتمام العلمي، ودرس الكيمياء والأصبغة في مدينة مانشستر البريطانية.

 

أما نزار قباني، فقد تخرج في كلية الحقوق بجامعة دمشق عام 1945، والتحق بوزارة الخارجية في العام نفسه، وتنقل في عمله الدبلوماسي بين القاهرة وأنقرة ولندن وبكين ومدريد، قبل أن يستقيل عام 1966 ويتفرغ للأدب. وكان احتكاكه بثقافات العالم وتجارب المجتمعات المختلفة جزءاً من تكوينه الإنساني والأدبي.

 

ومن الأسماء التي تستحق التوقف عندها بديع حقي، الأديب والروائي والمترجم الذي أمضى نحو أربعة عقود في السلك الدبلوماسي، متنقلاً بين عواصم عديدة، من باريس وبرن إلى موسكو وإسطنبول وكابول والجزائر.

كما يبرز عبد المطلب الأمين، الشاعر والأديب الذي عمل في السلك الدبلوماسي السوري،

وصباح قباني، الدبلوماسي والإعلامي الذي جمع بين العمل العام والاهتمام الثقافي.

 

حين كان التخصص العلمي جزءاً من شخصية رجل الدولة

 

لم تكن هذه النخبة مقتصرة على الشعراء والأدباء، بل ضمت شخصيات امتلكت تأهيلاً علمياً وأكاديمياً متقدماً في القانون والآداب والعلوم الإنسانية.

 

ففارس الخوري، أحد أبرز رجال الدولة السورية، كان قانونياً ومفكراً ومثقفاً موسوعياً، ومثّل سورية في الأمم المتحدة، حيث ترك بصمة في المحافل الدولية بقدرته على الحجاج القانوني والخطابة السياسية والتمكن من اللغة والتاريخ.

 

أما معروف الدواليبي، فقد جمع بين الحقوق والآداب، وتابع دراساته العليا في باريس، حيث نال الدكتوراه في الحقوق، وأصبح أستاذاً جامعياً ومرجعاً قانونياً، إلى جانب توليه رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية.

 

ونجد في مأمون الكزبري نموذجاً آخر للقانوني والأكاديمي؛ فقد حصل على الدكتوراه في الحقوق من جامعة ليون الفرنسية، ودرّس القانون في جامعة دمشق، وتولى مسؤوليات سياسية ووزارية في الدولة السورية.

 

وفي ميدان الأدب والعلوم الإنسانية، يبرز شاكر الفحام، الذي حصل على الإجازة في الآداب من جامعة القاهرة، ثم الماجستير والدكتوراه، وعمل أستاذاً جامعياً وتولى رئاسة جامعة دمشق ووزارة التعليم العالي، إلى جانب عمله الدبلوماسي سفيراً لسورية في الجزائر.

 

ولا يمكن إغفال عبد السلام العجيلي، الطبيب والأديب والروائي الذي تخرج في كلية الطب بجامعة دمشق عام 1945، وترك بصمة مهمة في الأدب العربي، إلى جانب توليه وزارات الثقافة والخارجية والإعلام. وهو نموذج للنخبة السورية التي لم ترَ تعارضاً بين التخصص العلمي والإبداع الثقافي والعمل السياسي.

 

ثقافة الدولة في مرآة دبلوماسييها

 

ما يجمع هذه الشخصيات ليس تشابه اختصاصاتها أو مساراتها المهنية، بل امتلاكها رصيداً معرفياً يتجاوز حدود الوظيفة. فقد كان السفير، في هذه النماذج، قانونياً أو أديباً أو عالماً أو صاحب تجربة فكرية، قادراً على محاورة السياسيين والأكاديميين والمثقفين، وفهم المجتمعات التي يعمل فيها، والتعريف ببلاده بلغة تتجاوز البيانات الرسمية والمواقف البروتوكولية.

 

ولعل ذلك يعكس طبيعة البيئة التعليمية والثقافية التي أنتجت هذه النخب، حيث كانت الشهادة الجامعية والدراسات العليا وإتقان اللغات والتمكن من التاريخ والأدب والقانون عناصر ذات قيمة في بناء الشخصية العامة.

 

وبالتأكيد، لم يكن كل من عمل في الدبلوماسية السورية شاعراً أو أديباً، ولم تكن تلك المرحلة خالية من الأخطاء والتفاوت في الكفاءات. لكن وجود هذه الأسماء في مواقع التمثيل الخارجي يظل دلالة مهمة على المكانة التي احتلتها المعرفة والثقافة في تكوين جزء من النخبة السورية.

 

إن استحضار هذا الإرث ليس مجرد استعادة لأسماء من الماضي، بل تذكير بأن الدبلوماسية صناعة معرفية قبل أن تكون وظيفة، وأن السفير لا يحمل جواز سفر دبلوماسياً وحقيبة أوراق فحسب؛ إنه يحمل صورة بلاده، ومستوى تعليمها، ورصيدها الحضاري، وقدرتها على مخاطبة العالم.

 

فالدول لا تُعرَف فقط بما تقوله في المحافل الدولية، بل أيضاً بمستوى العقول التي تختارها لتقول ذلك.

 

حسين راغب الحسين

رئيس حزب الإصلاح الوطني

مدير دار الشعب للنشر

شارك