كتب إسماعيل النجار،
*يُعدّ القرآن الكريم عند المسلمين المصدر الأعلى للتشريع والهداية، وكتاباً موجَّهاً للإنسان في كل زمان ومكان. ومع تطور العلوم الطبيعية في القرون الأخيرة، برز سؤال معرفي مهم هل يمكن رصد مساحات التقاء بين الإشارات الكونية في القرآن وبين ما توصّل إليه العلم الحديث؟
*هذه الدراسة لا تنطلق من فرضية أن القرآن كتاب علوم تجريبية، ولا من محاولة إخضاعه لمختبر الفيزياء أو البيولوجيا، بل من رؤية تعتبر أن النص القرآني يتضمن إشارات كونية عامة تتوافق في أطرها الكلية مع سنن الكون التي يكتشفها الإنسان عبر البحث العلمي.
*بدايةً في طبيعة الخطاب القرآني
القرآن لا يقدّم معادلات رياضية ولا توصيفاً مخبرياً دقيقاً، بل يعتمد لغة عربية بيانية مرنة، تخاطب إنسان القرن السابع كما تخاطب إنسان القرن الحادي والعشرين.
*هذا الطابع البلاغي هو ما يسمح للنص بأن يظل صالحاً لكل عصر دون أن يتصادم مع مكتشفاته.
*الأمر الثاني؛ هذه النماذج من مجالات التوافق،، تطوّر الجنين ومراحله
قال تعالى؛ ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَمُضْغَةً…﴾ (المؤمنون: 14)
العلم الحديث يثبت أن الجنين يمرّ بمراحل متتابعة متمايزة في الشكل والبنية. الوصف القرآني يستخدم مفردات نطفة (ماء مهين) علقة (شيء متعلّق) مضغة (قطعة صغيرة)
هذه الألفاظ لا تُخالف ما توصّل إليه علم الأجنة، بل تتوافق معه،
ففي المبدأ العام،وجود مراحل متتابعة ومتغيّرة في تكوين الإنسان.
التوافق هنا ليس في المصطلحات التقنية،بل في البنية التصويرية العامة للمراحل.
*أيضاً الظلمات في أعماق البحار
قال تعالى؛ ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ…﴾ (النور 40)اليوم يثبت علم المحيطات وجود
طبقات مائية مختلفة الكثافة وأمواج داخلية تحت السطح وانعدام شبه كامل للضوء في الأعماق، الآية لا تقدّم تفصيلاً علمياً، لكنها ترسم صورة تتوافق مع واقع أعماق البحار كما تكشفه الأدوات الحديثة.
*إذا جئنا إلى الجبال ووظيفتها الجيولوجية قال تعالى؛ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ (النبأ: 7) الجيولوجيا الحديثة تشير إلى أن للجبال امتدادات عميقة تحت سطح الأرض (جذور جبلية).
التعبير القرآني (أوتاداً) يعكس صورة التثبيت والامتداد،وهي صورة لا تتعارض مع ما يُعرف عن البنية العميقة للجبال. مرة أخرى، النص لا يقدّم نظرية تكتونية لكنه لا يناقضها أيضاً.
*دورة الماء في الطبيعة القرآن أشار في مواضع متعددة إلى إنزال المطر،
تبخّر الماء، إحياء الأرض بعد موتها،
العلم الحديث يشرح الدورة الهيدرولوجية بتفاصيل دقيقة، لكن الإطار العام الذي عرضه القرآن يتوافق مع المبدأ العلمي لدورة الماء المستمرة.
*عِدَّة المرأة والحكمة الاجتماعية والبيولوجية، حدد القرآن عدة المطلقة ثلاثة قروء، وعدة الأرملة أربعة أشهر وعشرة أيام، من الناحية الطبية الحديثة،تظهر مؤشرات الحمل خلال أسابيع. لذلك تحتاج المرأة لفترة استقرار هرموني ونفسي بعد الفقد أو الانفصال.العدة ليست نصاً بيولوجياً صرفاً، بل تشريع اجتماعي يحفظ ثبوت النسب، والاستقرار النفسي،
والتنظيم الأسري،ولا يوجد في المعطيات الطبية ما يناقض هذا التحديد، بل يمكن فهمه ضمن سياق وقائي اجتماعي وبيولوجي عام.
*أما حدود المقارنة منهجياً،يجب التمييز بين التوافق،أي عدم وجود تعارض بين النص وبين الحقائق العلمية الثابتة.والتطابق الذي هو ادعاء أن النص يقدّم نفس الصياغة العلمية الحديثة.القرآن يقدّم إشارات كونية عامة، بينما العلم يقدّم توصيفاً تفصيلياً قابلاً للاختبار.وعندما يُقرأ النص ضمن مجاله البياني والهدايتي، لا يظهر تعارض حقيقي مع العلم الحديث.
*أما في البُعد الفلسفي، العلم يجيب عن سؤال كيف يحدث الشيء؟
أما القرآن فيجيب غالباً عن سؤال “لماذا خُلق؟ وما الغاية؟” هذا التكامل في الوظيفة يُنتج مساحة توافق، لا ساحة صراع بين العلم والقرآن.
*في تقييم التخصصات العلمية
الدكتوراه في العلوم الإسلامية
تعالج النصوص، اللغة، أصول الفقه، ومناهج التفسير. الدكتوراه في العلوم الطبيعية أو الطبية، تعتمد البحث التجريبي والتحليل الكمي.كلاهما مجال معرفي مستقل، والتكامل بينهما يثري الفهم بدل أن يخلق تضاداً.
*عند قراءة القرآن بوصفه كتاب هداية يتضمّن إشارات كونية عامة، وعند قراءة العلم بوصفه أداة لفهم الآليات المادية للكون، تتضح مساحات واسعة من التوافق.لذلك يبقى القرآن الكريم في الرؤية الإسلامية كتاباً مفتوحاً للتدبّر، كلما تقدم العلم ازداد الإنسان إدراكاً لعمق الآيات الكونية دون أن تتحول إلى كتاب فيزياء أو طب، بل تظل دعوة للتفكر في سنن الله في الكون.فمهما حاول البعض من المتصهينين والملحدين من أرباب النظرة الطبيعية لخلق الكون زراعة فكرة التناقض بين القرآن والعلم الحديث يصطدمون بوقائع الآيات والإكتشافات العلمية التي تُخرسهُم.


















Discussion about this post