ملف العفو العام عاد إلى واجهة النقاش السياسي في لبنان خلال أيلول 2026، كجزء من تسويات يُقال إنها مرتبطة بالأستقرار الأمني وإعادة تموضع القوى السياسية بعد الحرب الأخيرة. المسودة المتداولة تتضمن توسيع مظلة العفو لتشمل جرائم أرتكبت قبل عقود، أبرزها ملف عملاء (جيش لحد) المتعاونين مع إسرائيل خلال فترة الأحتلال.
النقطة الخلافية ليست العفو بحد ذاته، بل نطاقه. فبينما يشمل المشروع أشخاصاً حوكموا أو مطلوبين بتهم التعامل والتعذيب داخل معتقلات كالخيام وأنصار، فإنه يستثني صراحةً ما يُعرف محلياً بـ (الطفار) من منطقة بعلبك الهرمل، وهم مطلوبون بقضايا أمنية وجنائية مرتبطة بملف السلاح والخطف وزراعة المخدرات.
ملف عملاء لحد ليس ملفاً قانونياً فقط. بالنسبة لعائلات المقاومين والمعتقلين السابقين، العفو يعني تطبيعاً مع مَن يعتبرونهم شركاء في التعذيب داخل السجون الإسرائيلية.
أي تمرير للمشروع سيُقرأ كرسالة سياسية مفادها أن التوازنات الحالية تتطلب طي هذه الصفحة رغماً عن الضحايا. أستثناء بعلبك الهرمل يعتبر شعوراً متجذراً لدى أهالي المنطقة بأن الدولة تتعامل معهم بمنطق أمني أنتقائي. الرسالة السياسية هنا أن العفو يُستخدم كأداة مساومة مع بعض القوى، بينما يُحرم منه أخرون لأسباب لا تُعلن. عندما تختار الدولة التخلي عن الملاحقة في ملفات التعذيب، وتُبقي على الملاحقة في ملفات أخرى، تُضعف خطاب العدالة للجميع. هذا يفتح الباب أمام منطق (العفو السياسي الأنتقائي) بدلاً من العدالة الأنتقالية.
في الجنوب والبقاع الشمالي، الذاكرة الجمعية ما زالت حية. العفو عن متهمين بالتعذيب يُفهم كطمس لمعاناة المعتقلين السابقين، بينما أستثناء أهل بعلبك يُقرأ كعقاب جماعي لمنطقة بأكملها.
ملفات كهذه لا تُنسى بمرور الزمن. أي تسوية لا تراعي اليات المصارحة والمكاشفة تُرجئ الأنفجار بدل أن تمنعه. المجتمع اللبناني عاش تجربة قانون العفو 1991 ويرى اليوم كيف أن غياب المحاسبة أنتج أستعصاءً سياسياً مستمراً.
هنا تبرز رسالة مخيفة للشباب الذين لم يعيشوا الحرب يتلقون رسالة مفادها أن الجريمة تُغفر إذا كانت سياسية، بينما تُعاقب إذا كانت خارج إطار التسوية.
مَن يعمل على قانون العفو يعتبر بأن السياق الإقليمي والداخلي متغير. بعد الحرب الأخيرة وتغيير موازين القوى، هناك ضغط لإعادة ترتيب البيت الداخلي عبر تسويات. عملاء لحد يُنظر إليهم من قبل بعض الأطراف كأوراق يمكن أستخدامها لإعادة دمج الجنوب في الدولة. أهل بعلبك يُنظر إليهم كعقبة أمام بسط سلطة الدولة على الحدود والبقاع. العفو هنا يصبح أداة هندسة سياسية، لا إجراءً قانونياً محايداً.
المشكلة ليست في مبدأ العفو. كل المجتمعات الخارجة من حرب تحتاج إلى صيغة للمصالحة. المأزق أن الصيغة المطروحة تبدو أنتقائية، تغفر لمَن كان على تماس مباشر مع الأحتلال، وتستثني من أعتُبر خصماً داخلياً للدولة. هذا يخلق معادلة تقول إن قربك من التسوية أهم من طبيعة فعلك.
إذا كان الهدف من العفو هو إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، فهل يمكن تحقيق ذلك بينما تُقسم الذاكرة الوطنية إلى ذاكرة قابلة للطي؟ وأخرى محكومة بالمطاردة؟
أنتبهوا جيدا” من قانون العفو ولا تجعلوه قانون يُنصف القاتل ويجرم المقتول ؟
نضال عيسى
















Discussion about this post