كتب رياض الفرطوسي
كل حرب في هذه المنطقة لا تبدأ بصاروخ فقط، بل بسؤال. سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل طبقات من القلق والحسابات. الحرب الأخيرة التي اندلعت في أواخر فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أعادت طرح السؤال ذاته، ما مصير الحكم في طهران؟
السؤال مشروع، بل طبيعي في لحظة تصعيد عسكري بهذا الحجم. لكن الإجابة ليست سهلة، لأن إيران ليست بلداً يمكن فهمه عبر الخرائط العسكرية وحدها، ولا عبر تقارير الاستخبارات، ولا حتى عبر نماذج التغيير السياسي التي عرفها العالم في أماكن أخرى.
لقد حاول كثيرون في السنوات الأخيرة رسم سيناريوهات جاهزة لما يمكن أن يحدث داخل إيران. بعضهم راهن على الاحتجاجات الشعبية المتكررة، وبعضهم تحدث عن ضغوط اقتصادية قد تُضعف النظام من الداخل، وآخرون تحدثوا عن احتمال انهيار سريع إذا اندلعت مواجهة عسكرية واسعة. لكن الواقع الإيراني أثبت مرة أخرى أنه أكثر تعقيداً من هذه التوقعات المبسطة.
فالدولة الإيرانية، على الرغم من كل التوترات الداخلية التي تعيشها، تمتلك بنية مؤسساتية متماسكة نسبياً، وفي قلبها جهاز عسكري وأمني شديد التنظيم يتمثل في الحرس الثوري. هذا الجهاز ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل منظومة سياسية واقتصادية وعقائدية تشكل أحد أعمدة النظام.
ولهذا تبدو فكرة إسقاط الحكم في طهران عبر القصف الجوي أو الضغط الخارجي فكرة أقرب إلى الرغبة السياسية منها إلى القراءة الواقعية. التجارب القريبة في المنطقة تقدم درساً واضحاً في هذا الشأن.
العراق، الذي عاش تجربة الغزو العسكري قبل أكثر من عقدين، قدّم مثالاً واضحاً على أن إسقاط نظام سياسي لا يتم بالسهولة التي تتصورها الخطط العسكرية. فقد انهار البناء الإداري للدولة سريعاً، لكن المجتمع دخل في مرحلة معقدة من التحولات السياسية والاجتماعية، حيث تداخلت مقاومة الاحتلال مع صراعات داخلية متشابكة تركت آثاراً عميقة في نسيج البلاد.
المفارقة أن هذه التجربة الإنسانية والسياسية الثقيلة كثيراً ما يجري الحديث عنها في الخطاب الغربي بلغة باردة تختزلها عبارة متكررة: “لقد تعلمنا من دروس العراق”. غير أن هذا التعبير، على بساطته الظاهرة، يثير سؤالاً أخلاقياً عميقاً: ماذا يعني أن تتحول معاناة بلد كامل إلى مجرد درس في كتب الاستراتيجية؟
عندما تُختصر المآسي في كلمة “درس”، فإنها تفقد كثيراً من معناها الإنساني. فهذه اللغة تكشف في أحيان كثيرة طريقة تفكير تتعامل مع الحروب بوصفها تجارب يمكن تقييم نتائجها لاحقاً، وكأن البلدان ليست مجتمعات حيّة لها تاريخها وتعقيداتها، بل ساحات اختبار لنظريات القوة والسياسة.
ولهذا انتقد عدد من الباحثين هذه المقاربة التي تنظر إلى الشرق الأوسط كمساحة قابلة لإعادة التشكيل وفق تصورات خارجية. فالعراق لم يكن صفحة فارغة يمكن إعادة رسمها بسهولة، بل مجتمعاً عريقاً تشكل عبر قرون طويلة من التاريخ والتجارب السياسية والاجتماعية. ومن زاوية أخرى، أشار باحثون في الاقتصاد السياسي إلى أن التجربة العراقية لم تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل رافقها مسار واسع لإعادة تنظيم الاقتصاد وفتح الأسواق وإدخال إصلاحات هيكلية في ظروف تاريخية شديدة الحساسية، وهو ما وثّقته دراسات مثل (جوزيف ستيغليتز، The Iraq War and Its Consequences؛ ديفيد هارفي، A Brief History of Neoliberalism؛ علي قادري، اقتصاديات الشرق الأوسط المعاصر).
هذه التحولات لم تكن مجرد إجراءات اقتصادية تقنية، بل جزءاً من تصور أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع بعد صدمة الحرب. ومع أن هذه التحولات كانت ضرورية لإعادة تشغيل الاقتصاد، فإن آثارها الاجتماعية والسياسية ظلت معقدة، مما جعل المجتمع العراقي يمر بسنوات طويلة من إعادة التوازن والبحث عن صيغ جديدة للاستقرار.
لهذا يبدو من الطبيعي أن يتعامل كثير من الإيرانيين مع الحديث الغربي عن “تغيير النظام” بكثير من الشك. فالتجارب القريبة علمت شعوب المنطقة أن الطريق إلى الفوضى قد يبدأ أحياناً بشعارات براقة عن الحرية والديمقراطية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالديمقراطية الحقيقية لا تُصنع بقرارات عسكرية ولا تُنقل عبر الطائرات. إنها ثمرة تطور تاريخي طويل داخل المجتمعات نفسها، تنمو من ثقافتها ومؤسساتها وتوازناتها الداخلية. أما محاولات فرضها من الخارج فقد انتهت في أكثر من مكان إلى نتائج معاكسة تماماً.
إذا انتقلنا إلى إيران نفسها، نجد أن أي تغيير جذري في بنيتها السياسية لن يكون مسألة خارجية بحتة. فالمجتمع الإيراني متنوع ومعقد، وفيه تيارات فكرية وسياسية متعددة، بعضها إصلاحي وبعضها محافظ. هذا التنوع يعني أن التحولات، إن حدثت، ستنشأ في الغالب من داخل المجتمع الإيراني نفسه، لا عبر ضغوط عسكرية من الخارج.
كما أن موقع إيران الجيوسياسي يجعل أي اهتزاز كبير في بنيتها الداخلية مسألة إقليمية ودولية في آن واحد. فالدول المجاورة تراقب بحذر، لكل منها حساباته الخاصة. الخليج لا يرغب في إيران معادية تماماً، لكنه في الوقت نفسه لا يريد انهياراً يفتح أبواب الفوضى على حدوده. أما القوى الكبرى مثل روسيا والصين فتنظر إلى إيران كجزء من توازن دولي أوسع، لا كحليف يمكن التخلي عنه بسهولة.
لهذا يبدو أن مستقبل إيران لن يُكتب بسهولة في غرف التخطيط العسكري. فالدول التي تمتلك تاريخاً عميقاً وبنية اجتماعية معقدة نادراً ما تتحول إلى نتائج سريعة في معادلات القوة.
وفي نهاية المطاف، ربما يكون السؤال الحقيقي أبعد من مصير نظام سياسي هنا أو هناك. السؤال يتعلق بطريقة نظر العالم إلى هذه المنطقة. هل هي مجرد رقعة شطرنج في لعبة القوى الكبرى، أم فضاء لشعوب لها تاريخها وكرامتها وحقها في أن تصوغ مستقبلها بنفسها؟
قبل سنوات كتب شاعر عراقي ساخط جملة قصيرة موجهة إلى القوة العظمى التي غزت بلاده. قال لها ببساطة: خذي المختبر كله، واتركي لنا الحقل.
في تلك العبارة تختبئ حكمة مريرة. فالشعوب لا تريد أن تكون مادة للتجارب، بل تريد فقط أن تعيش تاريخها بطريقتها الخاصة. وربما لهذا السبب بالذات تبدو إيران، بكل ما فيها من تناقضات، أكثر إصراراً على أن تُعامل كدولة ذات سيادة، لا كعينة في مختبر السياسة الدولية.
















Discussion about this post