كتب رياض الفرطوسي
لم يعد الشرق الأوسط ينتظر الحرب. الحرب وقعت بالفعل. منذ أيام تتردد أصداء الصواريخ في أكثر من سماء، وتتحرك الأساطيل في البحار القريبة، وتتابع العواصم الكبرى المشهد بقلق ظاهر وحسابات خفية. المنطقة التي عاشت عقوداً طويلة وهي تتأرجح بين الهدنة والانفجار دخلت الآن طوراً مختلفاً تماماً. لم تعد المواجهة مجرد توتر سياسي أو حرب بالوكالة، بل صراع مفتوح تتقاطع فيه ضربات إيران مع القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في مشهد إقليمي شديد الخطورة. هكذا وجد الشرق الأوسط نفسه فجأة في قلب مواجهة مباشرة بين قوى كبرى، مواجهة لا تجري في بيان دبلوماسي أو مناورة سياسية، بل في السماء والبحر وعلى امتداد جغرافيا المنطقة.
ما يحدث اليوم ليس حادثاً مفاجئاً. إنه نتيجة سنوات طويلة من التراكم السياسي والاستراتيجي. فالشرق الأوسط ظل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، ومكاناً تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية. كل أزمة كانت تترك خلفها بذور أزمة أخرى، وكل هدنة كانت تخفي تحت سطحها ناراً لم تنطفئ.
في السنوات الأخيرة بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل. السياسة الأمريكية نفسها دخلت طوراً من الارتباك. واشنطن التي اعتادت إدارة العالم عبر شبكة من التحالفات المحكمة بدت أحياناً وكأنها تعيد التفكير في دورها الدولي. الانسحاب من بعض الساحات، ثم العودة المفاجئة إلى ساحات أخرى، خلق فراغات في التوازنات الإقليمية. في مثل هذه الفراغات تنمو الصراعات بسرعة.
في هذه المساحة المتغيرة برزت إيران لاعباً إقليمياً يصعب تجاهله. فالدولة التي عاشت عقوداً تحت العقوبات والضغوط استطاعت رغم ذلك أن تحافظ على موقعها في المعادلة الإقليمية. تاريخ طويل من الخبرة السياسية والدبلوماسية جعل طهران تتعامل مع السياسة بمنطق النفس الطويل. فهي قد تختلف مع الغرب وتتصادم معه، لكنها لا تغلق الباب أمام التفاهمات الممكنة.
قبل سنوات، بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، طُرحت فكرة تفاهم شامل مع الولايات المتحدة حول ملفات المنطقة. كان ذلك مؤشراً على أن السياسة في الشرق الأوسط لا تقوم فقط على المواجهة، بل أيضاً على القدرة على التفاوض حين تتغير الظروف. لكن تلك الفرصة ضاعت في زحمة الحسابات الدولية، ومع مرور الوقت تحول التوتر إلى أحد أبرز ملامح العلاقة بين الطرفين.
هذا التوتر لم يبق محصوراً في إطار دبلوماسي. فقد امتد إلى أكثر من ساحة في المنطقة. العراق، سوريا، اليمن، ولبنان أصبحت مسارح مختلفة لصراع النفوذ. وفي كل ساحة تظهر تعقيدات جديدة تجعل المشهد أكثر تشابكاً.
لبنان يقدم مثالاً واضحاً على هذا التشابك المعقد في صراعات المنطقة. فهذا البلد الصغير الذي اعتاد العيش على توازنات دقيقة يقف منذ سنوات على خط تماس دائم بين قوى متعددة. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الساحة اللبنانية لم تعد مجرد مساحة ضغط سياسي، بل تحولت إلى جبهة فعلية في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. حزب الله، الذي يشكل ركناً أساسياً في الحياة السياسية اللبنانية، عاد اليوم ليؤكد حضوره العسكري بطريقة فاجأت خصومه قبل حلفائه. فالصواريخ التي انطلقت من جنوب لبنان في هذه الجولة وصلت إلى مديات أبعد بكثير مما عرفته المواجهات السابقة، حتى تلك التي سبقت استشهاد السيد حsن نصر الله. هذا التطور لم يكن تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل حمل رسالة واضحة مفادها أن ميزان الردع في هذه الجبهة لم يعد كما كان.
المفاجأة بالنسبة لإسرائيل لم تكن فقط في المسافة التي قطعتها الصواريخ، بل في طبيعة القدرات التي ظهرت تدريجياً خلال المواجهات. فسنوات الهدوء النسبي التي أعقبت الحرب السابقة لم تكن سنوات ركود، بل فترة إعادة بناء وتطوير في بنية القوة الصاروخية والتقنية. ومع اتساع مدى الضربات أصبح العمق الإسرائيلي أكثر عرضة للضغط، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى حسابات الحرب. في هذه اللحظة يظهر لبنان مرة أخرى بوصفه عقدة أساسية في معادلة الصراع الإقليمي، حيث تختلط حسابات الداخل اللبناني بموازين القوة الإقليمية، وتتحول الحدود الجنوبية إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة الردع المتبادلة.
وفي خضم هذه التحولات تبدلت طبيعة الصراع في الشرق الأوسط بصورة واضحة. لم تعد الحروب تُحسم بين جيوش تقليدية تقف وجهاً لوجه على حدود مرسومة، بل تحولت المنطقة إلى شبكة متداخلة من الجبهات والقوى والتحالفات. دول كبرى، وقوى إقليمية، وتنظيمات محلية، جميعها تتحرك داخل مسرح واحد، بحيث يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين الحرب المباشرة والحرب التي تُدار عبر مسافات وجبهات متعددة. إنها حرب ذات طبقات عديدة، تمتد من السماء إلى البحر، ومن الصواريخ البعيدة المدى إلى الضربات المحدودة التي تحمل رسائل سياسية بقدر ما تحمل أثراً عسكرياً.
وفي اللحظة الراهنة تبدو هذه الخيوط كلها وقد التقت في نقطة واحدة. غزة ما تزال تعيش تحت نار الحرب منذ أشهر طويلة، وجبهة لبنان لم تعد مجرد توتر متقطع بل تحولت إلى ساحة ضغط عسكري حقيقي يتبادل فيها الطرفان الضربات ويختبر كل منهما حدود الردع لدى الآخر. وفي البحر الأحمر ظهرت جبهة جديدة أربكت حركة التجارة العالمية، بعدما أصبحت السفن تمر تحت تهديد العمليات العسكرية، الأمر الذي دفع شركات الملاحة إلى تغيير طرقها البحرية.
لكن التطور الأبرز هو أن المواجهة لم تعد تدور في الظل كما كان يحدث في السنوات الماضية. فالصراع الذي كان يُدار غالباً عبر ساحات وسيطة أخذ يتجه نحو مواجهة أكثر وضوحاً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ومع اتساع دائرة الاشتباك بات الشرق الأوسط يعيش بالفعل داخل حرب متعددة الجبهات، حرب لا تجري في جبهة واحدة بل تمتد عبر خرائط المنطقة كلها، وتفرض نتائجها يوماً بعد يوم على الأرض وعلى موازين القوة في الإقليم.
الشرق الأوسط لم يعد يعيش أزمة عابرة. إنه يعيش تحولاً كاملاً في موازين القوة. وما يظهر اليوم قد لا يكون سوى بداية فصل أطول في تاريخ الصراعات التي عرفتها هذه المنطقة.

















Discussion about this post