حين ينفّذ العدو الإسرائيلي عملية إنزال داخل الأراضي اللبنانية، لا يمكن قراءة الحدث بوصفه تحركًا عسكريًا عابرًا أو حادثة ميدانية محدودة. فالإنزال بطبيعته عملية دقيقة وخطرة، تتطلب إعدادًا استخباريًا طويلًا وتخطيطًا محكمًا، ولا تُنفّذ عادةً من أجل خطوة رمزية أو حركة استعراضية. لذلك يبرز السؤال الذي يفرض نفسه في أي قراءة سياسية لما جرى: هل جاء العدو فعلًا بحثًا عن أثرٍ من رفات الطيار الإسرائيلي رون آراد أم أن هذه الرواية ليست سوى ذريعة تُرفع أمام الإعلام والمجتمع الدولي بينما تختبئ خلفها أهداف أخرى؟
منذ اختفاء الطيار رون آراد عام 1986 بعد سقوط طائرته في الأجواء اللبنانية، تحولت قصته إلى ملف مفتوح داخل إسرائيل. لم يعد الرجل مجرد طيار مفقود، بل صار قضية تُستحضر في الخطاب السياسي والإعلامي كلما احتاجت المؤسسة الإسرائيلية إلى تحريك العاطفة الداخلية أو إلى تقديم رواية تبرر تحركاتها الأمنية. ومع مرور السنوات، أصبحت قصته جزءًا من الذاكرة الإسرائيلية، ما يجعلها مادة جاهزة للاستخدام كلما دعت الحاجة.
غير أن التفكير بأن عملية إنزال عسكرية معقدة يمكن أن تُنفّذ فقط بحثًا عن عظمة من رفات طيار يثير الكثير من الشكوك. فالدول لا تغامر بوحداتها الخاصة ولا تعرض جنودها للخطر من أجل هدف رمزي يمكن تحويله إلى قصة إعلامية.
العمليات الخاصة غالبًا ما تكون مرتبطة بهدف واضح: جمع معلومات ميدانية دقيقة، أو اختبار واقع أمني، أو تنفيذ مهمة لا يمكن تحقيقها بوسائل أخرى.
ومن هنا، تبدو فرضية استخدام قضية رون آراد كذريعة سياسية احتمالًا قائمًا في القراءة السياسية. فإسرائيل تدرك أن هذه القضية تحمل بعدًا إنسانيًا مؤثرًا داخل مجتمعها، كما أنها رواية يمكن تقديمها أمام العالم تحت عنوان البحث عن جندي مفقود. مثل هذه الرواية تمنحها غطاءً أخلاقيًا ظاهريًا يسمح لها بتبرير تحركات عسكرية قد تكون في حقيقتها جزءًا من حسابات أمنية أوسع.
ولعل اللافت أن هذا الأسلوب ليس جديدًا. ففي سياق حرب تموز 2006 استخدمت إسرائيل الرواية نفسها تقريبًا لتبرير عمليات إنزال داخل لبنان. يومها جرى الحديث أيضًا عن البحث عن معلومات أو آثار تتعلق بالطيار المفقود رون آراد ، في محاولة لإضفاء طابع إنساني على عمليات عسكرية كانت في حقيقتها جزءًا من المعركة الميدانية والاستخبارية. تكرار الذريعة نفسها بعد سنوات طويلة يفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت هذه القضية تُستعاد كلما احتاجت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى غطاء سياسي لتحرك حساس.
وفي القراءة الاستراتيجية، يمكن النظر إلى مثل هذه العمليات من عدة زوايا. فقد يكون الهدف جمع معلومات ميدانية مباشرة، وهي معلومات لا تستطيع الأقمار الصناعية أو وسائل المراقبة البعيدة توفيرها بالدقة نفسها. وقد يكون الهدف اختبار البيئة الميدانية نفسها: سرعة رد الفعل، طبيعة التحركات، وكيفية التعامل مع اختراق محدود.
كما أن للعمليات من هذا النوع بُعدًا نفسيًا واضحًا. فالإنزال داخل الأراضي اللبنانية يحمل رسالة تتجاوز الهدف العسكري المباشر، مفادها أن إسرائيل ما زالت قادرة على الوصول إلى نقاط معينة داخل لبنان. مثل هذه الرسائل تُستخدم أحيانًا في سياق الحرب النفسية، سواء تجاه الداخل الإسرائيلي الذي يحتاج إلى استعادة شعور التفوق، أو تجاه الخصوم الذين يُراد اختبار ردود أفعالهم.
ولا يمكن أيضًا فصل أي تحرك عسكري إسرائيلي عن السياق الإقليمي العام. فالمنطقة تعيش على وقع توترات سياسية وأمنية مستمرة، وأي عملية محدودة قد تكون جزءًا من صورة أكبر تتصل بصراعات أوسع. وفي هذه الحالة، قد تتحول قصة الطيار المفقود إلى مجرد عنوان إعلامي لعملية تحمل في جوهرها أهدافًا أمنية أو استخبارية أعمق.
في النهاية، قد يكون العدو يبحث فعلًا عن أثرٍ مادي يربطه بطياره المفقود، وقد تكون هذه الرواية مجرد ستار لعملية تحمل أهدافًا أخرى. لكن ما يبدو واضحًا في كل الأحوال أن العمليات العسكرية لا تُبنى على الرمزية وحدها، بل على حسابات القوة والمصلحة. وبين العظمة التي يُقال إنهم يبحثون عنها، والأهداف التي قد تكون مخفية خلف العملية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان الهدف حقًا رفات طيار مفقود، أم أن تلك الذريعة ليست سوى بابٍ يدخل منه العدو إلى حساباتٍ أكبر؟
دلال موسى
















Discussion about this post