بقلم: سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
في لحظةٍ تاريخية تختلط فيها الدماء بالأفكار، وتتشابك فيها الأزمات السياسية مع الانهيارات الاجتماعية، تقف سوريا أمام سؤال مصيري:
___ كيف يمكن بناء دولة حديثة دون الوقوع في فخ التطرف، ودون خسارة الهوية الدينية والثقافية؟
في خضم هذا البحث، تبرز تجربتان إقليميتان تستحقان التأمل:
١_ما تشهده المملكة العربية السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان من تحولات اجتماعية وفكرية تهدف إلى كبح جماح التشدد،
٢/وما قدمته تركيا عبر تجربة حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان من نموذج حاول التوفيق بين الهوية الإسلامية والدولة الحديثة.
التجربة السعودية، في جوهرها، تمثل محاولة جريئة لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة. فهي تسعى إلى نقل الدين من ساحة الصراع والتوظيف السياسي إلى فضاء القيم الروحية والأخلاقية، مع تقليص نفوذ الخطابات المتشددة، والانفتاح على العالم، وبناء مجتمع أكثر توازنًا. إنها مواجهة مباشرة مع التطرف، ليس عبر إلغاء الدين، بل عبر تحريره من القراءات الضيقة التي شوّهت جوهره.
في المقابل، قدمت التجربة التركية نموذجًا مختلفًا، حيث لم يتم إقصاء الدين عن المجال العام، بل جرى دمجه ضمن إطار الدولة الوطنية، مع الحفاظ—ولو نسبيًا—على آليات ديمقراطية، واستثمار الهوية الثقافية والدينية كعنصر قوة لا كأداة إقصاء.
لقد حاولت تركيا أن تقول إن الحداثة لا تعني القطيعة مع الدين، بل إعادة تنظيم حضوره.
غير أن استنساخ أي من هاتين التجربتين في سوريا ليس ممكنًا، بل قد يكون خطيرًا.
فسوريا ليست السعودية، وليست تركيا، بل هي فسيفساء معقدة من الطوائف والقوميات والانتماءات، عاشت عقودًا من القمع، ثم سنوات من الحرب والانقسام، ما يجعل أي مشروع وطني بحاجة إلى خصوصية عميقة تنبع من واقعها لا من نماذج الآخرين.
ما تحتاجه سوريا ليس “نسخة” جاهزة، بل رؤية تركيبية تستفيد من التجربتين دون أن تذوب فيهما.
من السعودية، يمكن استلهام الجرأة في مواجهة التطرف، وإعادة ضبط الخطاب الديني، وبناء دولة المؤسسات.
ومن تركيا، يمكن الاستفادة من فكرة التوازن بين الهوية الدينية والدولة المدنية، ومن توظيف الاقتصاد والتنمية كأداة استقرار.
لكن الأساس الحقيقي لأي نموذج سوري مستقبلي يجب أن يقوم على معادلة واضحة:
تحرير الدين من التطرف…
وتحرير الدولة من الاستبداد.
فالدين، حين يُختزل في فتاوى التكفير والإقصاء، يفقد روحه، والدولة، حين تُبنى على القمع والهيمنة، تفقد شرعيتها.
وبين هذا وذاك، يضيع الإنسان—وهو جوهر كل مشروع حضاري.
إن المعركة الحقيقية في سوريا ليست فقط على السلطة، بل على الوعي:
على إعادة تعريف معنى التدين، ومعنى المواطنة، ومعنى العيش المشترك. فإما أن نؤسس لدولة تحترم جميع مكوناتها، وتفصل بين الإيمان كقيمة شخصية، والسياسة كإدارة عامة، أو نبقى أسرى دوامة لا تنتهي من الصراع.
إن دمج التجربتين، ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى نموذج أعمق: نموذج يعترف بأن الولاء لله وحده وان الدين لله، والوطن للجميع،
والإنسان هو القيمة العليا التي لا يجوز المساس بها.
وهنا فقط، يمكن أن تولد سوريا الجديدة…
لا من تحت الركام، بل من تحت وعيٍ جديد.
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام”.


















Discussion about this post