قراءة في ق ق ج : “سيناريو محدث” للإعلامية إلهام عيسى /سوريا
بقلم الأستاذة الناقدة :سعيدة بركاتــــي /تونس
#المدخـــــل :
السيناريو : الكلمة المكتوبة التي تتحول إلى مشهد سينيمائي أو تلفزيوني و تحول صاحبها إلى أحد صناع المشهد الإجتماعي فكل ما نشاهده تم بناؤه “أصلا” على الكلمة .
لكن ما هو نوع سيناريو قصتنا الحالي ؟ هل عالج الفكرة بصفة واضحة ؟ هل طرح قضايا “اجتماعية معينة ؟ و أين يمكن تنزيله ضمن أنواع السيناريوهات ؟
#القــــراءة :
السيناريو : مخطط تفصيلي لحبكة عمل درامي ،مع ذكر تفاصيل حول المشاهد و الشخصيات و المواقف و غيرها …
انطلاقا مما تقدم و وصولا إلى الـــ ق ق ج للإعلامية إلهام عيسى تظهر قصة” سيناريو محدث” كمرآة تعكس واقعا اجتماعيا وسياسيا و ثقافيا (مشهد مكتمل الصورة تقريبا جمع شرائح مختلفة من المجتمع ) سيناريو لن تُروى فيه مجرد مشاهد على شكل رواية بل هي نظرة بنورامية للواقع .
يلاحظ المتلقي أن “السناريو ” تكون من عدة مشاهد قصيرة و مكثفة على شكل ومضات : العدو وصفارته /عين الراصد و حياكتها للأحداث كما تشاء /المصو يعلق وجوه القادة على الجدران / الحكومة صانعة الوهم / بيدها القانون الذي لم تُفعل بنوده /(يمكن اعتبارهما شخصية واحدة ) التاجر و سياسة الإحتكار / المثقف تذبذبه بين مؤيد و عاجز / ضمير العالم النائم/ المواطن و تشبثه بالأرض .
هذه الملاحظة أعلاه تؤكد أن الكاتبة كأنها تقف فعلا في مركز الدائرة و بدأت تتحرك بنظرها فقط لتنقل المشاهد حتى بدأ تكوين “السيناريو” فالمشاهد وُلدت من بعضها و كل مشهد أخذ مكانه على محيط الدائرة ،(النظرة البانورامية التي ذكرتها سابقا) ، مما أكد دلالة العنوان الرئيس ” سيناريو محدث”.
حين يتعمق المتلقي في بنية القصة يجدها مفككة و لم تأت لحمة واحدة : وجود عناوين فرعية : اعتمدت القاصة على التفكيك ثم تركيب المشاهد حتى تتكون أحداث القصة .
كل مقطع من القصة تحدث عن فئة معينة من المجتمع (هنا يبرز التكثيف في القصة ).
شخصيات القصة متعددة و مختلفة (تقريبا جميع الشرائح ) سأتناولها بالدرس و نرى دورها في “السيناريو” :
ــ أبطال القصة ثمانية : ربما كانت تقف القاصة عند العدد الأقل أو تضيف شخصيات أخرى “للسيناريو “. لماذا توقفت عند هذا العدد ؟؟؟
رمزية العدد ” 8 ” : عالميا يرمز إلى ” اللانهايــــــة ” و هو رمز الكون الذي لا ينتهي ، و قد ورد “الرقم في الذكر الحكيم : الحاقة 7 و هو يوم نحس على عاد و الأنعام 143 … و في عدة آيات أخرى ..
لنا عودة للعدد و علاقته بالقصة و الإجابة عن السؤال .
إلى الشخصيات نتدرج في القراءة :
++ العدو : نفخ في الصفارة (تناص قرآني : النفخ في الصور : و نُفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض … الزمر68) كأنه نذير الشؤم يخافه الجميع حتى الجدران :دوره اسناد التهم و زجهم بالسجن :مفاتيح صدأ : ظلوعه في توجيه التهم و الزج بالسجن و الصدأ على المفاتيح دليل على أن هذه الممارسة قديمة :دون محاكمة /سياسة العدو مع أصحاب الأرض .
++ عين الراصد : للأسف انقلب دور “عيون الراصد ” في نقل الحقائق ( ربما إشارة إلى الصحافة و إعلام العار ) : تزييف الحقائق و نقل ما تريده السلطة أن يصل للمواطن على مزاجها /ذر الرماد على العيون /عيونها من زجاج : رغم شفافية هذه المادة :عيون مزيفة تُزيف الواقع :مزروعة في كل الزوايا : المراقبة المحكمة لا مجال للإفلات لكثرتها ” عيون في صغة الجمع .
++ المصور : يعلق على الجدران شخوص من ورق : الوهم بالإنتظار/ استغلالها في الوقت المناسب / و ازالتها في لمح البصر : التأكيد على أنها من ورق /سريعة الاحتراق و الزوال .
++ الحكومة و القانون : تمركزهما في شعاع واحد من الدائرة فلا يمكن الفصل بين الحكومة و القانون : تهربها من مسؤولية الحماية /ضعفها و الإتكال على المساعدات الخارجية و تنفيذ القوانين/كأنها تتجاهل أسماء الضحايا /كُتبت الأسماء بحبر المنظمات : مجرد أرقام .
++ التاجر : استغلال الأوضاع ،اتبع سياسة الإحتكار (الشخصية المستفيدة الأولى في القصة ) فرصة للربح الجشع .
++ المثقف و معه ++ ضمير العالم : حالة استسلام كلي و غياب صحوة الضمير ، مسلوبي الإرادة : الصمت التام / مراقبة دون حراك .
++ المواطن : الشخصية الوحيدة : المتشبثة بالأرض المتمسكة بالذاكرة :يرمز إلى الحياة و الاستمرارية / هنا يكمن معنى ” الإنسانية ” رغم العراء و الجوع فهو يطمح إلى مستقبل أكثر نعومة : نظرة استشرافية للمستقبل …
عند قراءة الشخصيات نستنتج أن إلهام عيسى لم تستحضر بـــ “السيناريو” شخوصا حقيقية بقدر ماهي أدوار وظيفية / تجتمع حول : الظلم و القهر و الاستبداد و تكميم الأفواه و القمع و مصادرة الحريات … ليصل المواطن إلى “حالة” : من الجوع و الفقر فيسهل استغلاله و استثماره لمصالح السلطة و بقية عناصر شخصيات القصة .
سؤال يطرح نفسه حول كل هذه المفارقات بالقصة ؟ : و هي المحرك الرئيس بها ، سأتناول بعضا منها لأترك للمتلقي المجال للبحث و التقصي .
في قصة العدو حين مسك الصفارة : جعل البناية ترتجف / حولتها القاصة إلى شخص يرد الفعل كالعصفور تماما من شدة الخوف و الرعب الذي أصابه حين دوت صفارة الإنذار .
في قصة الحكومة : تستعد الحكومة للعاصفة بفرش الخيام / عوض أن تستعد للمواجهة و حماية المواطنين من الخطر الكبير و توفير مستلزمات الحماية (عواصف فعلية و عواصف حربية …الهلاك يحاصر الشعب من كل الجبهات) بل تستعد لاستيلام “ثمن الضحايا” /تتحول العناية إلى تجارة (حبر المنظمات ، الضحايا مجرد أرقام ) .
فالمفارقات في القصة تنوعت أنماطها بين الموقف و الدراما و التصوير ، تبقى المفارقة الختامية : المواطن الذي لا يملك لا سلطة و لا جاه و لا أبسط مكونات العيش /يملك ذاكرة ، مدونة لن تزول /الشيء الأبقى /قريب هو من الأرض و متشبث بجذوره المغروسة فيها ” الوطنية ” : المفارقة الصادقة في القصة ، المعنى الحقيقي للإنسانية .
استنتاج أول : تتحول هذه النظرة البانورامية إلى رؤية “ديستوبية”عكس “اليوتيوبية” ، وهي حالة تتدهور فيها ظروف الحياة البشرية إلى حد بالغ نتيجة للحرمان أو القمع و الإرهاب (أو جميعها) .
إذا : فالسيناريو كل الأدوار التي وُزعت فيه كانت وظيفية أكثر منها شخوصا تلعب أدوارا من خلال تمثيلية لشخصيات : الشخصيات السبعة( بضم الحكومة و القانون كشخصية واحدة ) كانت ضد الشخصية الثامنة : المواطن :اجتمعت لأداء دور واحد تعددت وجوهه : سلطة تمثلت في عدو و مصور و حكومة أداة قمعها عين راصدة ، المستفيد من الوضع التاجر و سياسة الإحتكار ، يبقى المثقف و القانون مكبلان من ططرف حكومة لا تستطيع المسك بزمام أمورها ، لتختم الرؤية بالمواطن الفقير و الجائع و المحتفظ بالذاكرة .
تأتي الآن الإجابة عن الأسئلة أعلاها :
المفارقة في النص هي المحرك الأساسي لكل المشاهد الموضوعية في “السيناريو ” و القاصة هي العنصر الرئيس الذي نقل كل هذه المشاهد انطلاقا من نقطة الإرتكاز في الدائرة .
المشاهد كان عددها ثمانية( تم ضم الحكومة و القانون كشخصية واحدة ، لتقاسمهما الدور الوظيفي ) و شرحنا دلالة هذا العدد 8 أعلاه، و إذا كُتب ممددا ( ∞ ) عن طريق الرياضيات اللانهاية ، يتعلق بالأشياء التي لا تنتهي. تُكتب برقم واحد. تحمل اللانهاية معانيَ متعددة، بحسب السياق. الكلمة من أصل لاتيني ، وتعني “بلا نهاية”. تمتد اللانهاية إلى الأبد، لذا يُقال أحيانًا إن الفضاء والأرقام وغيرها من الأشياء “لا نهائية”، لأنها لا تتوقف أبدًا.يدل على اللانهاية حينها نقر أن للمشاهد صور أخرى يمكن إضافتها للسيناريو ( المجال مفتوح للمتلقي حتى يضيف ماشاء من شخصيات و مشاهد ، فالدائرة لا تزال فيها المساحة شاسعة ، يمكن إضافة : المرأة،الطفل،صناع الحرب …).
فيتضح جليا مما تقدم أن القاصة قدمت صورة مفككة مكثفة لحالة من الحكم المستبد الذي يمسك بكل خيوط “اللعبة”السياسية : ركبتها في صورة للدولة المأزومة . فالمشاهد حين نقلتها الكاتبة كانت فعلا مشاهد للوحة بنورامية انتهت بضحية : المواطن .
عن إيقاع القصة :سريع بانتقاله من مشهد إلى آخر : مشاهد مفصلية بأفعال تحركت تدريجيا :نفخ /زرعت/يعلق/مدت/احتكر/يدون/أصيب/يفترش . فالنفخ كان في الأعلى ، خوف العصفور و مجاله الفضاء لينتهي إلى يفترش و مجاله الأرض : حرية العصفور مصادرة اكتست ثوب الخوف ، و المواطن افترش الأرض فهو في العراء لا كسوة له / المشهد فيه من الخوف في وصف حالة المواطن : عيون تطلع لإعتناق ثرى الولادة .
فالكاتبة نجحت في تكثيف الحيرة عند المتلقي بقدرتها على تحويل المشاهد إلى حركة مكتوبة بكل عناية و كأنه فعلا مع مشاهد لسيناريو محكم الكتابة عاشها بكل ما أوتي من أحاسيس و مشاعر .
“سيناريو محدث” : يمكن تنزيلها ضمن مجموعة قصص ق ج تناولت عدة مشاهد مرتبطة ببعضها ذات مواضيع مختلفة ، و يمكن كذلك اعتبارها قصة واحدة قصيرة جدا بتناولها موضوعا واحدا يصف وضعا سياسيا و اجتماعيا أبطالها مختلفون جمعتهم أحداث واحدة في مكان و زمان واحد وزعتهم الكاتبة على شعاع دائرة كانت هي في نقطة الإرتكاز .
بقلمي سعيدة بركاتي /تونس
سيناريو محدث. ق ق ج
==========
======
العدو:
نفخ في الصفارة الأولى، فارتجفت البناية رقم واحد كعصفورٍ تحت المطر، وكانت التهم تنتظر على الطاولة مثل مفاتيح صدئة تعرف الأقفال مسبقًا ..!
عين الراصد:
زرعت عيونًا زجاجية في الزوايا، عيونًا تعرف كيف تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها ..!
المصور:
يعلّق وجوه القادة على الجدران كشموسٍ ورقية، قبل أن يهبط المساء عن عروش الكراسي ..!
الحكومة:
مدّت خيامها على عجل كمن يفرش ظلّه قبل العاصفة، وهي تعرف أن الريح تحمل معها أكياس المعونات وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات ..!
التاجر:
احتكر الغذاء وفقًا لرؤية وصلات سياسية متسقة، إذ إنها فرصة لتطوير تجارته وتوثيق علاقاته!
القانون: عاجز عن قول الحقيقة، مهدد بفقدان الحصانة ..!
حملة الفكر والكتاب منقسمون:
يدون بعضهم مكرهين لأغراض المعيشة والسلامة ما يخدم الساسة ومحتكري سبل الحياة!
ضمير العالم:
أُصيب بنكسة حضارية وأخذ يراقب دون حراك!
المواطن:
يفترش الأرض والأرصفة، يحتفظ بذاكرة حية بعيون تتطلع لاعتناق ثرى الولادة وبقايا حطام الذكريات!
بقلم الإعلامية إلهام عيسى/سوريا
#المراجع :
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88_(%D8%AA%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B7)
https://en-wikipedia-org.translate.goog/wiki/Dystopia?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=rq
https://www.google.com/amp/s/www.islamweb.net/amp/ar/library/content/48/2608/%25D9%2582%25D9%2588%25D9%2584%25D9%2587-%25D8%25AA%25D8%25B9%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2589-%25D9%2588%25D9%258A%25D9%2588%25D9%2585-%25D9%258A%25D9%2586%25D9%2581%25D8%25AE-%25D9%2581%25D9%258A-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B5%25D9%2588%25D8%25B1-%25D9%2581%25D9%2581%25D8%25B2%25D8%25B9-%25D9%2585%25D9%2586-%25D9%2581%25D9%258A-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25B3%25D9%2585%25D8%25A7%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25AA-%25D9%2588%25D9%2585%25D9%2586-%25D9%2581%25D9%258A-%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25A3%25D8%25B1%25D8%25B6-%25D8%25A5%25D9%2584%25D8%25A7-%25D9%2585%25D9%2586-%25D8%25B4%25D8%25A7%25D8%25A1-%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2584%25D9%2587
https://www.google.com/url?sa=t&source=web&rct=j&opi=89978449&url=https://translate.google.com/translate%3Fu%3Dhttps://simple.wikipedia.org/wiki/Infinity%26hl%3Dar%26sl%3Den%26tl%3Dar%26client%3Drq&ved=2ahUKEwj83v_lt6CTAxURVUEAHUG8KsQQFnoECAQQBQ&usg=AOvVaw0Lv2q7etDxRo8-xWaP5egl

















Discussion about this post