(الحلقة الأولى)
كتب رياض الفرطوسي
في الحروب التقليدية، كان يمكن تمييز لحظة البداية بسهولة، رصاصة أولى، اجتياح، أو بيان رسمي يعلن الدخول في المواجهة. أما اليوم، فالحروب تبدأ حين تفقد السياسة قدرتها على التأجيل، وحين يصبح الغموض نفسه قراراً.
ما نراه في هذه اللحظة ليس حرباً مكتملة الملامح، ولا سلاماً مؤجلًا، بل منطقة رمادية كثيفة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الانتظارات السياسية، وتتحول فيها المواقف إلى إشارات مبهمة أكثر منها قرارات حاسمة.
الحديث عن مفاوضات يبدو، للوهلة الأولى، خياراً عقلانياً. لكنه في الواقع أقرب إلى ترف نظري. لأن التفاوض، في معناه العميق، يحتاج إلى عناصر أولية غير متوفرة حتى الآن. لا مكان محدد، لا رعاة متفق عليهم، لا جدول أعمال واضح، ولا حتى تصور تقريبي للنهاية الممكنة. كل شيء لا يزال في طور التشكل، أو بالأحرى، في طور الصراع على التشكل.
هذا الفراغ ليس صدفة. إنه جزء من بنية المشهد. الأطراف جميعها تدرك أن الدخول في مفاوضات الآن يعني تثبيت موازين قوى لم تستقر بعد. لذلك، يتصرف الجميع كما لو أن الوقت لم ينضج، وكأن الحرب، بكل كلفتها، لا تزال أقل كلفة من تسوية غير مضمونة.
في هذا السياق، يبدو السلوك الإسرائيلي حذراً رغم صخبه. هناك رغبة في الظهور بمظهر غير المستعجل، كأن القرار لم يُتخذ بعد، بينما على الأرض تُبنى شروط مختلفة بهدوء. الانتظار هنا ليس تردداً، بل محاولة لرفع سقف التفاوض قبل أن يبدأ.
في المقابل، تتحرك أطراف دولية بنبض متفاوت. بعض المبادرات تُطرح، وبعض الأفكار تُسرّب، لكنها جميعاً تصطدم بجدار الواقع نفسه، لا أحد يملك القدرة على تحويل الاقتراح إلى مسار ملزم. الوساطة، في هذا المشهد، أقرب إلى اختبار نوايا منها إلى صناعة حلول.
أما في العمق، فالمسألة تتجاوز حدود ساحة واحدة. ما يجري ليس نزاعاً محلياً يمكن عزله، بل جزء من لوحة أوسع، حيث تتقاطع الجبهات وتتشابك المصالح. الحرب في مكان تعني إعادة حسابات في مكان آخر، والتأخير في ساحة قد يكون انتظاراً لحسم في ساحة مختلفة تماماً.
لهذا، يبدو المشهد كما لو أنه مُعلّق. ليس لأن القرار غائب، بل لأن القرار مؤجل عمداً. الجميع يقاتل، لكن بعين على الميدان، وعين أخرى على اللحظة التي سيجلس فيها إلى الطاولة. تلك اللحظة التي لا يريد أحد أن يصل إليها ضعيفاً.
في النهاية، ما نعيشه ليس غياباً للتفاوض، بل مرحلة ما قبل التفاوض. وهي، في كثير من الأحيان، أخطر من التفاوض نفسه. لأنها المرحلة التي تُرسم فيها الحدود الحقيقية، لا على الورق، بل بالنار.
وكلما طال هذا الزمن المعلّق، كلما اقتربنا أكثر من لحظة ينكسر فيها التوازن، إما نحو تسوية مفاجئة، أو نحو انفجار أوسع لا يمكن احتواؤه بسهولة.
ذلك هو السؤال الذي يفرض نفسه الآن، ليس متى تبدأ المفاوضات، بل بأي شكل ستُفرض، وعلى أي أرضية، وبأي كلفة.
وسطاء بلا مفاتيح
(الحلقة الثانية)
في الأزمنة المستقرة، كان الوسيط يدخل الغرفة حاملاً مفاتيح الحل، أو على الأقل خريطة طريق تقود إليه. أما اليوم، فالوسطاء يتحركون في ممرات مغلقة، يطرقون أبواباً لا يملكون مفاتيحها، ويعرضون أفكاراً يعرفون مسبقاً أنها لن تمر كما هي.
المشهد لا يعاني من غياب الوسطاء، بل من فائضهم. كل طرف دولي يريد أن يكون حاضرًا في الصورة، لا حباً بالحل، بل خوفًا من الغياب عن لحظة إعادة رسم التوازنات. الوساطة هنا لم تعد فعلًا أخلاقياً أو سياسياً خالصاً، بل استثماراً استباقياً في شكل المنطقة القادمة.
الفرنسيون، على سبيل المثال، يتحركون بسرعة لافتة. يلتقطون المبادرات، يضيفون عليها، ويعيدون طرحها بلمسة أوروبية تقليدية، لغة ناعمة، وأفكار تبدو متوازنة على الورق. لكن المشكلة ليست في صياغة الأفكار، بل في قدرتها على الصمود أمام وقائع الميدان. بعض هذه الطروحات يُقابل بالتحفظ، وبعضها يُرفض بصمت، وكأن الجميع يقرأ النص نفسه لكن بنوايا مختلفة.
في الجهة الأخرى، يقف الأمريكيون على مسافة محسوبة بدقة. لا انسحاب كامل، ولا انخراط مباشر. حضورهم أشبه بظل ثقيل، يؤثر دون أن يظهر بوضوح. هم يدركون أن أي تدخل حاسم الآن سيعني تحمل كلفة سياسية وعسكرية في لحظة إقليمية مشتعلة أصلًا. لذلك يتركون الباب موارباً، يراقبون، يرسلون إشارات، لكنهم يتجنبون التورط الكامل.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من يتوسط، بل من يملك القدرة على فرض نتيجة. الوسيط الحقيقي ليس من يجمع الأطراف حول طاولة، بل من يستطيع أن يقول لهم متى يجلسون ومتى ينهضون، وما الذي يجب أن يوقعوا عليه. وهذه القدرة، حتى الآن، لا تبدو متوفرة لأي طرف بشكل كامل.
في العمق، تبدو الوساطة كأنها تدور حول نفسها. أفكار تُطرح، تُناقش، تُعدّل، ثم تعود إلى نقطة البداية. كأن العملية برمتها ليست للوصول إلى حل، بل لاختبار حدود الممكن. كل طرف يرسل عبر الوسطاء رسائل مبطنة، يرفع سقفه، يختبر ردود الفعل، دون أن يلتزم بشيء.
ووسط هذا الدوران، يبقى عنصر حاسم غائباً، أو مؤجلًا، التوافق الدولي الحقيقي. لأن أي تسوية في هذه المنطقة لا يمكن أن تولد من رحم التناقضات الدولية نفسها. ما لم تتفق القوى الكبرى، أو على الأقل تتقاطع مصالحها عند نقطة معينة، ستبقى الوساطات مجرد حراك بلا نتيجة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ في الوساطة الفاعلة يترك مساحة أوسع للميدان كي يتكلم. وكلما تأخرت السياسة، ارتفع صوت السلاح، وكلما ارتفع صوت السلاح، تقلصت خيارات السياسة.
هكذا، تتحول الوساطة من أداة لاحتواء الصراع إلى شاهد على توسعه. تتحرك، لكنها لا تمسك بالخيط. تقترح، لكنها لا تحسم. تحضر، لكنها لا تقود.
وفي هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر حدة، هل نحن أمام وساطات تمهّد للحل، أم مجرد إدارة ذكية لوقت الحرب؟
الإجابة ربما لا تكمن في تصريحات الوسطاء، بل في مكان آخر تماماً، في النقطة التي يتقاطع فيها السقف السياسي مع القدرة الواقعية على فرضه.
هناك، حيث تبدأ المعضلة الحقيقية، وحيث يتكشف وهم الأهداف الكبيرة أمام صلابة الوقائع الصغيرة.
يتبع…


















Discussion about this post