دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مرحلة “كسر الإرادات” وبدأ الشد على الأصابع، ومن سيصرخ أولاً سيدفع كل الثمن.
أخطر ما في هذه الحرب، أنها ليست من نوع الحروب التقليدية، والتي تقتصر نتائجها على المتحاربين والميدان، وإنما هي من الحروب، التي ترتسم على نتائجها الخرائط الجيوسياسية، وتوازنات القوى والقوة العالمية، واللاعبون والمتأثرون فيها كثر، ينضوون في منظومتين، الأولى المنظومة الأطلسية، برأسها الأمريكي، ومعها الإسرائيلي، التي تتداعى، وتعمل المستحيل لوقف هذا التداعي، أو على الأقل إبطاءه، والمنظومة الأسيوية المشرقية الصاعدة، برأسيها الصيني الروسي، ودول إقليمية أخرى، وفي مقدمتها إيران، ومن سينتصر في هذه الحرب، ستكون له اليد العليا، في رسم هذه الخرائط.
اليوم يبدو بشكل واضح، الفشل الأمريكي الإسرائيلي، في تحقيق الأهداف التي وضعوها للحرب، وبدأت تعطي نتائج عكسية، وباتت تشكل خطراُ، على مكانة أمريكا، وعلى مستقبل إسرائيل.
ترامب ونتنياهو، يتحدثون كثيراً، عن توجيه ضربات قوية لإيران، وبأنهم يمتلكون زمام المبادرة في الميدان، وتحدث ترامب عن تدمير الجيش الإيراني بنسبة مئة بالمئة، وقتل كل القيادة الإيرانية، وتدمير البرنامج النووي، ومخزون الصواريخ، وسلاح البحرية، لكن إيران وبنفس اليوم، وجهت واحدة من أعنف الهجمات على القواعد الأمريكية، والكيان الصهيوني، وهوما استدعى سخرية وزير الخارجية الإيراني، عباس عرقجي، الذي خاطب ترامب قائلا، إذا كنتم حققتم كل هذه النتائج، فلماذا تطلب التفاوض.
أيضاً تلتقي معظم آراء المحللين والخبراء، حتى داخل أمريكا وإسرائيل، بأن هذه الحرب عبثية، ولن تحقق أهدافها، وكان يمكن تحقيق هذه الأهداف أكثر، من خلال المفاوضات، التي كانت جارية، وكانت على وشك الوصول إلى تفاهمات، وهوما أثار مخاوف نتنياهو، فبادر إلى شن الحرب، وجر أمريكا إليها.
كما ظهر العجز الأمريكي الإسرائيلي، في استجداء المساعدة من الحلفاء الذين رفضوا الدخول في هذه الحرب، مما أدى إلى مواقف متشنجة من ترامب، وحتى دول الخليج، التي تتعرض لضربات مؤلمة، خلال استهداف إيران، للمواقع الأمريكية فيها، رفضت دخول الحرب، بشكل رسمي، واكتفت بمحاولة التصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية.
الخسائر الأمريكية الإسرائيلية الكبرى، لن تكون في الأرواح والمعدات والأسلحة، وإنما في النتائج، والتداعيات الجيوسياسية الهائلة ومنها:
الجميع يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية، تقوم بكل تحركاتها، سواء في إيران اليوم، وقبلها فنزويلا وأوكرانيا، لأجل هدف واحد، وهو محاصرة الصين، وقطع شرايين النفط والغاز عنها، والذي تستورده من إيران وفنزويلا وروسيا، ولو نجحت، لكانت تحرشت بها عسكرياً، أما الآن سيكون السؤال الأهم، وهو إذا كانت أمريكا، عاجزة عن مواجهة دولة إقليمية مثل إيران، فكيف ستواجه دولة عظمى وقوية مثل الصين، خاصة في حال وجدت الصين، أن الفرصة باتت مناسبة، لضم تايوان.
ستصبح أمريكا والدول الأوروبية، عاجزة عن الاستمرار في دعم أوكرانيا، في حربها مع روسيا، وهذا سيجعل روسيا تحقق أهدافها في أوكرانيا، بأكثر مما كانت تحلم به، قبل الحرب على إيران، وهذا سيعني تفكك الناتو، وانتهاء المكانة الجيوسياسية لأوروبا، مما سيسرع في إنهاء المنظومة الغربية الرأسمالية، وهيمنتها على العالم.
ماذا سيكون مصير الحلم الإسرائيلي، في “تغيير خريطة الشرق الأوسط” التي تبجح بها نتنياهو كثيراً، وصلت إلى حد رفع خريطة إسرائيل الكبرى في الأمم المتحدة، وماذا سيكون مصير الاتفاقيات الإبراهيمية؟
كيف ستكون مواقف دول الخليج، وعلاقتها مع أمريكا، وهي تكتشف أن القواعد الأمريكية، ومحطات الاستطلاع، والدفاع الجوي، الموجودة فيها، التي أقيمت بتمويل باهظ منها، بداعي حمايتها، لم تحمهم، وأنها هي بحاجة لحمايتهم، وأن هذه القواعد، أقيمت لهدف واحد، وهو حماية إسرائيل، وأن إيران تمكنت من تدمير معظمها، ولا زالت تواصل هذه المهمة، وهذا التساؤل، عن جدوى القواعد الأمريكية سيصل إلى كل الدول، التي تتواجد فيها قواعد أمريكية، مثل كوريا الجنوبية، واليابان والدول الأوروبية.
** كيف سيكون وضع اقتصاديات دول الخليج، ومناطق النمو فيها، مثل دبي، والتي قامت على أساس، الاستقرار الأمني والسياسي.
الحرب اليوم وصلت إلى مرحلة “كسر عظم استراتيجي” وباتت تتأرجح بين خيارين، الأول، محاولات إيجاد مخرج، يوفر لترامب إمكانية ادعاء الانتصار، وهو ما ظهر من حديث ترامب، عن وجود قناة للتفاوض مع إيران، للوصول إلى توافق لوقف الحرب، لكن هذا الخيار ليس من السهل نجاحه، مع وجود شروط وشروط مضادة ومتناقضة، من الطرفين، ومع عدم وجود مصلحة إسرائيلية بوقفها، والثاني، التصعيد واحتمال الوصول إلى الخيار النووي، في حال وصلت أمريكا وإسرائيل، إلى لحظة اليأس من تحقيق أهداف الحرب، وباتت تتلقى ضربات مؤثرة أكثر، وهو خيار محتمل، رغم خطورته وصعوبته.
وفي موقف غريب، ففي الوقت الذي تحدث فيه ترامب، عن تمديد فترة المهلة التي أعطاها لإيران سابقاً، لخمسة أيام، لتوفير فرصة للتفاوض، بدأت القوات الأمريكية، عملية حشد قوات برية واسعة النطاق، مع معلومات عن خطة لغزو بري، في منطقة ما، قد تكون جزيرة خرج الإيرانية، في مضيق هرمز، وإيران تقول، لن نقع في فخ الخداع الأمريكي ثانية، ومسار الحرب، سيكون متعلقً بنتيجة هذه التطورات.
قد تكون هذه الحرب بالنسبة لأمريكا، كحرب السويس عام 1956بالنسبة لبريطانيا، والتي كانت إعلان نهاية بريطانية كإمبراطورية عظمى، وانتقال هذه المكانة، إلى الإمبراطورية الأمريكية، لكن التداعيات الجيوسياسية، في حال تأكد الفشل الأمريكي الإسرائيلي، سيكون أخطر، وأبعد بكثير من تداعيات حرب السويس، لأن خريطة التوازنات الإقليمية والعالمية، والخريطة الجيوسياسية، للمنطقة والعالم، ستتغير بشكل جذري، وستؤدي إلى نهاية الهيمنة الأمريكية، على السياسات والاقتصاديات العالمية، ويتم الانتقال، إلى العالم المتعدد الأقطاب، وانتقال مركز الثقل العالمي، لأول مرة، من العالم الأنغلو سكسوني، ومن ضفتي الأطلسي، إلى آسيا.
أحمد رفعت يوسف



















Discussion about this post