بقلم: عامر العيداني
منذ عقود طويلة يعيش العالم الإسلامي حالة من التراجع السياسي والتشتت في المواقف تجاه القضايا المصيرية وفي مقدمتها قضية فلسطين. وفي الوقت الذي كانت فيه دول عربية وإسلامية كثيرة تتراجع عن أدوارها أو تكتفي بالمواقف السياسية والإعلامية برزت إيران بوصفها دولة أعلنت بوضوح وقوفها في مواجهة القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل متحملة تبعات ذلك سياسيا واقتصاديا وعسكريا.
وفي خضم هذه الأحداث يبرز سؤال مهم يطرحه كثير من الناس: هل من حق العرب والمسلمين أن يفتخروا بإيران المسلمة التي تقف في مواجهة أقوى القوى في العالم بينما يقف الكثيرون موقف المتفرج؟
إن كثيرا من الشعوب الإسلامية تنظر إلى ما يحدث باعتباره اختبارا حقيقيا للإرادة السياسية والصلابة العقائدية. فإيران رغم العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية والحروب غير المباشرة ما زالت قادرة على الحفاظ على تماسكها الداخلي بل والاستمرار في دعم حلفائها وقضايا تعتبرها جزءا من مسؤوليتها الدينية والسياسية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
لقد دفعت إيران ثمنا باهظا في هذا المسار سواء عبر العقوبات التي أثرت على حياة شعبها أو من خلال استهداف قادتها العسكريين والسياسيين ومع ذلك لم يظهر انهيار في بنية الدولة أو تفكك في المجتمع بل بدا أن هناك قدرة لافتة على إعادة تنظيم القيادة ومواصلة العمل السياسي والعسكري دون ارتباك كبير وهو ما يعكس قوة مؤسسات الدولة وصلابة بنيتها.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن كثيرا من المسلمين قد يشعرون بنوع من الاعتزاز عندما يرون دولة من العالم الإسلامي تقف بثبات أمام ضغوط دولية هائلة ولا تتراجع بسهولة أمام التهديدات. ففكرة الصمود بحد ذاتها تحمل دلالة معنوية كبيرة في عالم باتت فيه كثير من الدول تخضع لإرادة القوى العظمى.
لكن ما لا يمكن إنكاره أيضازهو أن هذا المشهد يفرض سؤالاً أكبر على العالم العربي والإسلامي: لماذا وصلت الأمة إلى مرحلة يصبح فيها الدفاع عن قضاياها الكبرى مسؤولية طرف واحد أو قلة من الأطراف؟
القضية الفلسطينية التي كانت يوما القضية المركزية للعرب والمسلمين تبدو اليوم وكأنها تترك لمعادلات القوة الدولية والإقليمية بينما يدفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا من دمائه وأرضه ومستقبله.
وهنا يبرز جانب آخر من النقاش وهو ما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه التي تقوم عليها القيادة السياسية في إيران. فأنصار هذه النظرية يرون أن ما يحدث اليوم يمثل دليلا على قدرتها على الحفاظ على وحدة الدولة وتماسك المجتمع حتى في أصعب الظروف فالنظام السياسي في إيران لا يقوم على شخص القائد فقط بل على منظومة مؤسساتية وعقائدية تمنح الدولة قدرة على الاستمرار مهما كانت الخسائر أو التحديات.
لقد أظهرت الأحداث أن إيران استطاعت أن تحافظ على وحدة شعبها ومؤسساتها رغم مقتل عدد من قادتها واستمرار الضغوط عليها وهو ما يراه البعض دليلا على قوة هذا النموذج السياسي وقدرته على إدارة الأزمات.
ومع ذلك يبقى الافتخار الحقيقي لأي أمة لا ينبغي أن يقتصر على صمود دولة واحدة فقط بل يجب أن يتحول إلى وعي جماعي بضرورة استعادة قوة العالم الإسلامي ككل سياسيا واقتصاديا وثقافيا. فالقضايا الكبرى مثل قضية فلسطين لا يمكن أن تحمل على عاتق دولة واحدة مهما كانت قوتها.
إن صمود إيران في مواجهة الضغوط الكبرى هو حدث سياسي مهم في تاريخ المنطقة وقد يكون مصدر فخر أو إعجاب لدى كثير من المسلمين لكنه في الوقت ذاته يجب أن يكون جرس إنذار للعالم الإسلامي بأسره كي يعيد النظر في مواقفه ويعمل على بناء قوة جماعية قادرة على حماية قضاياه ومصالحه.
فالأمم العظيمة لا تقاس فقط بما تفعله دولة واحدة منها بل بما تستطيع أن تحققه عندما تتوحد إرادتها وتلتقي على مشروع حضاري جامع يعيد للأمة كرامتها ومكانتها بين الأمم.


















Discussion about this post