بقلم: سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.
لم يكن دخول أنصار الله (الحوثيين) إلى المواجهة ضد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية حدثًا عابرًا، ولا خطوة انفعالية،
بل تحركٌ محسوب في توقيت بالغ الحساسية، يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط.
لقد تغيّر المشهد…
لم تعد الحرب محصورة في جغرافيا محددة، بل تحولت إلى حرب متعددة الجبهات تمتد من غزة إلى لبنان، ومن العراق إلى اليمن، وتصل ارتداداتها إلى قلب التجارة العالمية في البحر الأحمر.
لكن، وسط كل هذا التحليل السياسي والعسكري، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة:
(والشرق لا يمكن أن يكون أرضًا للسلام،
ولا فضاءً للعيش المشترك،
ولا نموذجًا لتصالح الشعوب وتشابك المصالح المتكافئة…
وأطفاله يُستهدفون ويُقتلون في كل يوم… وفي كل ساعة.)
جاء هذا التدخل في ذروة التصعيد ، حيث بلغت المواجهة مع إسرائيل مستويات غير مسبوقة.
في هذه اللحظة، يصبح الدخول في الحرب أكثر من دعم عسكري؛
إنه استثمار سياسي في لحظة مشتعلة، وتحويل الصراع من محلي إلى إقليمي.
من اجل تشتيت القوة… واستنزاف العدو .
إن فتح جبهة من اليمن لا يهدف إلى الحسم، بل إلى إرباك الحسابات:
وتعدد الجبهات يفرض على إسرائيل توزيع قوتها، ويجبر الولايات المتحدة الأمريكية على الانخراط أكثر لحماية مصالحها.
إنها حرب لا تبحث عن نصر سريع…
بل عن إطالة زمن الصراع واستنزاف الجميع.
فلا يمكن فصل هذا التوقيت عن دور إيران، التي تدير شبكة نفوذ إقليمية عبر حلفائها.
إنها معادلة دقيقة:
تأثير واسع دون مواجهة مباشرة، ورسائل قوة دون دفع كلفة الحرب الشاملة.
فالبحر الأحمر… والاقتصاد الاقليمي والعالمي باتا في قلب النار
فاستهداف الملاحة في مضيق باب المندب لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل ضربة لشريان التجارة العالمية المرتبط بقناة السويس.
وهنا يتحول الصراع من نزاع إقليمي إلى أزمة عالمية تمس الطاقة والتجارة والأسعار.
وبالنسبة للحوثيين، فإن الدخول في هذه المواجهة يمنحهم حضورًا يتجاوز اليمن، ويعيد تشكيل صورتهم كفاعل إقليمي.
لكن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة، إذا ما تحولت إلى حرب مفتوحة تُدفع كلفتها من الداخل اليمني نفسه.
فلا سلام فوق دماء الأطفال
وأي سلام هذا الذي يُبنى فوق دم طفل؟
وأي استقرار يمكن أن يولد، فيما الخوف هو أول ما يتعلمه أطفال الشرق؟
إن المأساة لم تعد فقط صراع قوى، بل سقوطًا أخلاقيًا حين يصبح المدنيون، والأطفال تحديدًا، جزءًا من معادلات الردع والضغط.
فلا قضية عادلة تُبنى على جثث الأبرياء،
ولا قوة تُقاس بقدرتها على التدمير،
بل بقدرتها على حماية الحياة.
خلاصة القول :
الشرق على مفترق خطير
وما يجري اليوم ليس مجرد حرب، بل إعادة تشكيل لمفهوم القوة والصراع في المنطقة:
فالحروب غير مباشرة
بجبهات متعددة
واقتصاد عالمي في دائرة الخطر.
لكن الحقيقة الأهم تبقى:
لا معنى لكل هذه الحسابات…
إذا بقي الطفل في هذا الشرق هدفًا مشروعًا للموت.
لأن الشرق الذي نطمح إليه هو الشرق الذي يكون منارة لإنسانية الإنسان وأمنه واستقراره، بعيدًا عن كل المحاور وقوى الهيمنة والاستكبار والاستبداد، والاصطفافات الدينية والطائفية والقومية.


















Discussion about this post