القراءة في عصر السرعة
د. محمد عبد العزيز
السودان
لم تكن القراءةُ في زمنٍ مضى عملًا عابرًا يُؤدّى على عَجَل، ولا تسليةً تُملأ بها الفراغات، بل كانت صُحبةً يُؤنس بها العقل، ورياضةً تُهذَّب بها النفس، وسفرًا يُقطع فيه الطريق على مهلٍ وتدبّر. أما اليوم، فقد دخلت القراءة عصرًا آخر؛ عصرًا تُزاحمها فيه الشواغل، وتُنازعها فيه السرعة، حتى غدت في كثيرٍ من الأحيان خبرًا يُلتقط، أو فكرةً تُختزل، أو نصًّا يُمرّ عليه مرورًا لا يكاد يترك في النفس أثرًا.
وما السرعةُ في ذاتها بعيبٍ يُذمّ، فإنها من خصائص هذا العصر، ولها منافعها التي لا تُنكر، ولكن العيب أن تُنقل إلى ما لا يحتملها، وأن تُفرض على ما طبيعته التأنّي والتفكّر. فالقراءة إذا أُريد لها أن تُثمر لا تقوم على العَجَلة، ولا تُبنى على الاستعجال، لأنها ليست مجرّد انتقالٍ من كلمةٍ إلى كلمة، بل هي انتقالٌ من معنىً إلى معنى، ومن فكرةٍ إلى أخرى، وذلك انتقالٌ يحتاج إلى مهلةٍ يستقرّ فيها المعنى، ويتفاعل مع ما في النفس من تجارب وأفكار.
وقد يُخيل إلى القارئ في هذا العصر أنه كلما أكثر من الاطلاع، واتّسع في المعارف، كان أرفع شأنًا وأغزر علمًا. وهو في كثيرٍ من الأحيان لا يجمع إلا أطرافًا من هنا وهناك، لا يربطها جامع، ولا يُحكمها نظام. فهو يعرف الشيء وضدّه، ويطّلع على الرأي ونقيضه، دون أن يملك القدرة على التمييز أو الترجيح؛ لأنه لم يُعطِ نفسه فرصة الفهم، ولا أتاح لعقله زمن التمحيص.
وهنا يظهر الفارق بين قراءةٍ تُغذّي الفكر، وقراءةٍ تُثقله دون أن تُنمّيه. فالأولى قراءةُ تدبّرٍ وتأمّل، يقف فيها القارئ عند المعنى، يُراجعه، ويُقارنه، ويُسائل نفسه عنه، حتى يصير جزءًا من بنائه العقلي. أما الثانية، فهي قراءةُ استهلاك، يُمرّ فيها على الكلمات كما يُمرّ على مشاهد الطريق؛ يراها ولا يملكها، وتراه ولا تؤثّر فيه.
وليس هذا القول دعوةً إلى البطء المفرط، ولا إلى الاقتصار على القليل من الكتب، بل هو دعوةٌ إلى أن يُحسن القارئ اختيار ما يقرأ، وكيف يقرأ. فإن العبرة في نهاية الأمر ليست بعدد الصفحات، بل بما يُترك فيها من أثر، وما يُحدثه من تغيير. فكتابٌ يُقرأ بتأنٍّ، ويُفهم بعمق، خيرٌ من عشرات الكتب التي تُمرّ على الذهن مرور السحاب.
ثم إن من آفات هذا العصر، أن القارئ قد يُغريه الجديد لمجرد جدّته، فيترك ما لم يُتمّه، ويُقبل على غيره، فيظلّ متنقّلًا بين البدايات، لا يُحسن الإتمام. وكأن القراءة في نظره سباقٌ في الكمّ، لا رحلةٌ في الفهم. وهذا في حقيقته حرمانٌ من لذّة العلم، ومن ثمرته التي لا تُنال إلا بالصبر والمثابرة.
ولا يُغفل هنا أن القراءة في أصلها علاقةٌ بين عقلين: عقل الكاتب، وعقل القارئ. فإذا لم يُنصت القارئ، ولم يمنح النصّ حقّه من التأمّل، انقطعت هذه العلاقة، وبقي الكلام حروفًا لا روح فيها. أما إذا أقبل عليه بعناية، وتفاعل معه بوعي، نشأت بينهما صلةٌ تُثمر فهمًا أعمق، ونظرًا أوسع.
وما أحوج القارئ في هذا العصر إلى أن يُقاوم إغراء السرعة، لا بأن ينعزل عن واقعه، بل بأن يختار لنفسه أوقاتًا يُبطئ فيها، ويُمهل فكره، ويُعيد إلى القراءة معناها الأصيل. فإن العقل كالأرض لا يُثمر إذا أُرهق، ولا يُنبت إذا لم يُمهل.
وخلاصة القول، أن القراءة في عصر السرعة امتحانٌ لقدرة الإنسان على التوازن؛ بين أن يواكب زمانه، وأن يحفظ لنفسه عمقها. فمن استسلم للسرعة استهلك المعرفة دون أن يمتلكها، ومن أحسن استخدامها، جعلها وسيلةً إلى الاتساع، لا بديلًا عن العمق.
فليقرأ القارئ إذن لا ليُكثِر، بل ليفهم، ولا ليُحصي، بل ليبني. فإن ما يستقرّ في النفس، ويُغيّر في الفكر، هو وحده الذي يستحق أن يُسمّى علمًا، وما عداه ظلٌّ يمرّ، ولا يبقى.

















Discussion about this post