حين صرّح ترامب بأن خياره المفضل هو “الاستيلاء على النفط الإيراني”، لم يكن الرجل يرتجل، بل كان يكشف عن لبّ استراتيجيته التي لا تعرف الأيديولوجيا أو المبادئ الثابتة. بالنسبة له، لا يوجد حلفاء دائمون أو أعداء تاريخيون، بل يوجد فقط “سعر مناسب” ولحظة اقتناص.
ما يكشفه خطاب ترامب الأخير يعتبر خارطة طريق للشهر المقبل لفرض ما يُسمّى “الإذلال المبرمج”. إن اشتراطه تسليم 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب يتجاوز الأعراف الدبلوماسية الدولية، ليتحول من مطلب أمني إلى فعل إخضاع يُراد منه انتزاع إقرار إيراني علني بفقدان القدرة على الردع، وهذا لن يحصل أبداً. فالدولة التي تُجرد من أوراق قوتها في منطق ترامب لا تُفاوض، بل تُمْلى عليها الشروط كطرفٍ مهزوم.
في الواقع، تتجلى خطورة تفكير ترامب في نظرته للمنطقة كـ “محفظة استثمارية”؛ فحديثه عن السيطرة على “جزيرة خارك” يعني السيطرة على شريان الطاقة العالمي، وهو ما يحول الصراع من أزمة سياسية إلى حرب استحواذ اقتصادية يعيد فيها تشكيل خرائط النفوذ. وحين يبشر بصفقة “الأسبوع المقبل”، فهو يستخدم لغة “الإنجاز الوشيك” ليغلق باب التفاوض على شروطه الخاصة، مستغلاً إنهاك الخصم لانتزاع تنازلات كان يرفضها بالأمس، وهذا صنيعة وهم اقتنع به واعتقد تحقيقه.
وعليه، لم يعد الصراع اليوم محصوراً في أروقة الملف النووي، بل انتقل بوضوح إلى مرحلة الحسم الاقتصادي عبر استهداف ‘جزيرة خارك’. إن اقتران حديث ترامب بهذه البقعة الحيوية — التي تعبر منها نحو 90% من الصادرات الإيرانية — يكشف أن الذريعة النووية قد تراجعت لتترك الساحة للجوهر الاقتصادي العاري. السيطرة على خارك في ذهن ترامب لا تعني مجرد ضرب الخصم، بل تعني وضع اليد على ‘محول الطاقة الخليجي’، مما يحول إيران من خصم استراتيجي إلى غنيمة اقتصادية محتملة، ويضع مسارات الطاقة العالمية ومصالح دول الجوار رهينةً لمغامرة أمريكية تعيد تعريف الحرب بكونها عملية ‘استحواذ’ كبرى، وهنا مكمن الخطر الأساس، وهذا ما يستدعي تحرك الدول بسرعة خاصة الخليجية، وقد رأينا مصداقه في تحرك سعودي باكستاني الخ، وهذا ما سيؤدي الى صناعة تحالفات ربما تؤدي إلى تغيير وتحول في المشهدية القائمة منذ بداية الحرب.
من زاوية أخرى، يبدو ترامب بارعاً في صناعة واقع افتراضي يخدم روايته؛ فتوصيفه لخصومه بـ “النظام الجديد” ليس انعكاساً لتحول بنيوي في طهران، إنما هو صك اعتراف افتراضي يتحدث عنه من باب تحقيق الإنجاز الوهمي، ليقنع العالم أنه تخطى مرحلة “النظام القديم” وبات في مرحلة الحديث مع “نظام جديد” من وحي مخيلته. هو لا يريد إيران دولة فاشلة – فالدول الفاشلة بلا قيمة تجارية – بل يريدها دولة مكسورة الإرادة، غنية الموارد، ومنضوية تحت السقف الأميركي. النموذج هنا ليس “العراق المحتل”، بل هو محاولة بائسة لتحويل الخصم إلى “تابع محمي” يدخل الترتيبات الإقليمية قسراً تحت وطأة الخراب.
ختاماً، يبقى ترامب صادقاً في موضع واحد فقط، فهو لا يتجمل بشعارات الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل يقول علانية إنه “يريد النفط”.. وفي هذا التصريح تحديداً، يجب على العالم أن يصدق شيطانيته تماماً.


















Discussion about this post