المطران تيودور الغندور
إنّ الأسبوع العظيم في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية ليس مجرّد تذكّر لأحداث ماضية، بل هو حجّ روحي حيّ، يُدعى فيه كلّ مؤمن أن يدخل إليه بكلّ كيانه: جسدًا وعقلاً وقلبًا. ففي هذه الأيام المقدّسة، لا تكتفي الكنيسة بالتذكار، بل تجعلنا نشارك في سرّ آلام ربّنا يسوع المسيح وموته وقيامته.
منذ القرون الأولى، ولا سيّما منذ القرن الرابع، نظّم المسيحيون هذه المسيرة كاختبار عميق ومتواصل. فالأمر لا يتعلّق بالمشاهدة، بل بالعيش. كلّ يوم، وكلّ نشيد، وكلّ حركة طقسية تقودنا أعمق فأعمق إلى قلب سرّ الخلاص.
تبدأ الرحلة بسبت لعازر، حيث نتأمّل المسيح واقفًا أمام قبر صديقه. عندما دعا لعازر إلى الحياة، أعلن مسبقًا ما سيحدث: دحر الموت. لكن هذا الانتصار لم يكتمل بعد، بل يقترب بصمت، محاطًا بالتوتر. وفي أحد الشعانين، ندخل مع المسيح إلى أورشليم، حاملين السعف، مرتّلين “هوشعنا”، لكننا نعلم أن هذا الفرح مشوب بظلّ الصليب. فالجماعة التي تهتف اليوم هوشعنا ستنقلب غدًا وتهتف اصلبه.
في الأيام الأولى من الأسبوع — مساء الأحد، والاثنين، والثلاثاء — تحتفل الكنيسة بخدمات “الختن”. توضع في وسط الكنيسة أيقونة المسيح مكلّلًا بالشوك، ونسمع: “ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل”. هنا الدعوة إلى السهر الروحي، إلى الاستعداد الداخلي، لكي لا تُوجَد النفس نائمة حين يأتي الرب.
في يوم الأربعاء العظيم، نقف أمام اختيار شخصي عميق: بين المرأة الخاطئة التي سكبت الطيب بدموع ومحبة، ويهوذا الذي خان المعلّم بثمن بخس. لا تقدّم الكنيسة هاتين الصورتين كأحداث بعيدة، بل كحقيقتين تعيشان في داخل كلّ واحد منّا. وفي هذه الليلة يُرتَّل النشيد المؤثّر للقدّيسة كاسياني، الذي يعلّمنا أن التوبة الحقيقية تنبع من الحبّ والتواضع.
أمّا الخميس العظيم، فيقودنا إلى سرّ البذل الكامل. نتأمّل أربعة أحداث مترابطة: غسل الأرجل، الذي يكشف تواضع الله؛ العشاء السرّي، حيث يهب المسيح ذاته طعامًا؛ صلاة جثسيماني؛ وأخيرًا الخيانة. وفي المساء تُتلى الأناجيل الاثنا عشر للآلام، فنعيش لحظة بلحظة أحداث المحاكمة والصلب، وكأننا حاضرون هناك.
الجمعة العظيمة هي اليوم الأشدّ رهبة. تجرؤ الكنيسة أن تقول: “اليوم يدخل الخالق إلى صمت الموت. بعد الظهر، يُنزَل جسد المسيح عن الصليب ويوضع على النعش (الإبيتافيوس)، علامةً لرقاده في القبر. وفي المساء، تُقام المراثي، حيث نسير في موكب شموع، نرتّل أمام القبر. ومع ذلك، يبدأ رجاء خفيّ في الظهور وسط الحزن.
السبت العظيم هو يوم السرّ العميق. ظاهريًا، كلّ شيء ساكن، لكن روحيًا يحدث ما هو عظيم: المسيح ينزل إلى الجحيم ويكسر أبوابه. لا يكتفي بالانتصار على الموت، بل يغزوه من الداخل. في الأيقونات نراه يرفع آدم وحواء، محرّرًا البشرية جمعاء. وخلال الخدمة، تتبدّل الثياب من الداكن إلى الأبيض، وتلوح أوّل بشائر القيامة.
ثمّ تأتي الليلة المقدّسة، سهرانة الفصح.
تغرق الكنيسة في ظلام كامل — صورة للعالم بدون المسيح. وفجأة، يظهر نور واحد من الهيكل، ويهتف الكاهن: “هلموا خذوا نورًا”. وينتشر النور من شمعة إلى شمعة حتى تمتلئ الكنيسة نورًا. إنها غلبة النور على الظلمة، والحياة على الموت.
خارج الكنيسة، أمام الأبواب المغلقة، يُعلَن إنجيل القيامة، ويهتف الكاهن: “المسيح قام!”. وعندما تُفتح الأبواب، ندخل إلى الكنيسة المغمورة نورًا وتسبيحًا وفرحًا. لم يعد للموت سلطان، والقبر صار فارغًا.
وفي الختام، تُتلى العظة الفصحية للقديس يوحنا الذهبي الفم، التي تدعو الجميع — الذين صاموا والذين لم يصوموا، الذين جاؤوا مبكرًا والذين أتوا في اللحظة الأخيرة — إلى الاشتراك في العيد، لأن الخلاص هو عطية محبة الله المجانية، وليس مكافأة على الجهد البشري.
هكذا، يصبح الأسبوع العظيم طريق تحوّل. لا نخرج منه كما دخلنا. فإذا سرنا فيه بصدق، نكتشف أننا لسنا مجرّد مشاهدين للآلام، بل نحن الذين من أجلهم تألّم المسيح ومات وقام.
وفي النهاية، تبقى هذه الصرخة التي تختصر الإيمان كلّه:
المسيح قام! حقًا قام!
جرائم الحرب الدولية والمقصلة الإسرائيلية العنصرية
بقلم : سري القدوة قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست الإسرائيلي ، يعد قانون عنصري يرقى الى مستوى جريمة الحرب، التي تضاف الى سجل هذه حكومة الاحتلال التي مارست...


















Discussion about this post