صادر عن حسين راغب الحسين
رئيس حزب الإصلاح الوطني في سوريا
بمناسبة حلول الأول من نيسان، الذي نراه مناسبة وطنية ذات دلالات حضارية عميقة، أتقدم إلى أبناء شعبنا السوري بأصدق التهاني والتبريكات، مستحضرين معًا إرثًا تاريخيًا ضاربًا في عمق الزمن، يؤكد أن سوريا لم تكن يومًا مجرد جغرافيا، بل كانت مهدًا للمعرفة، ومنطلقًا للحضارة، وأحد أهم مراكز إنتاج الزمن نفسه.
وفي هذا العام، يبلغ التقويم السوري رقمًا متقدمًا يعكس عمق هذا الامتداد التاريخي، إذ ندخل اليوم في السنة السورية 6776، وهو رقم ليس مجرد دلالة زمنية، بل مؤشر حضاري على استمرارية الوجود السوري عبر آلاف السنين، وعلى مساهمة هذا الشعب في تأسيس واحدة من أقدم الرؤى الزمنية في التاريخ الإنساني.
إن الاحتفال برأس السنة السورية في هذا التاريخ ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس حقيقة تاريخية مفصلية، مفادها أن السوريين الأوائل كانوا من بين أوائل الشعوب التي نظّمت الزمن، وأرست أسس التقويم، وربطت حركة الحياة بالدورات الكونية والزراعية، في تعبير مبكر عن وعي إنساني متقدم بالزمن كأداة تنظيم وإدارة للحياة.
هذا الإرث لا ينبغي أن يُختزل أو يُهمّش، بل يجب أن يتحول إلى عنصر فاعل في بناء الهوية الوطنية المعاصرة، وإلى ركيزة من ركائز الثقة بالذات الجمعية. فالشعب الذي أنتج أولى أشكال التقويم، وأسهم في صياغة المفاهيم الأولى للزمن، هو شعب يمتلك عمقًا حضاريًا يسبق في جذوره معظم شعوب الأرض، وهو ما يمنحه موقعًا متقدمًا في سردية التاريخ الإنساني.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند ظاهرة ثقافية شاعت في العقود الأخيرة، وهي ما يُعرف بـ”كذبة نيسان”، والتي تمثل، من منظورنا، انزياحًا ثقافيًا وتشويهًا لرمزية هذا اليوم.
إن تحويل مناسبة ذات قيمة حضارية إلى إطار للسخرية أو التضليل يعكس خللًا في الوعي الثقافي، ويستدعي مراجعة جادة تعيد الاعتبار للمعنى الحقيقي لهذا التاريخ.
إننا في حزب الإصلاح الوطني نؤكد على ضرورة تعزيز الوعي التاريخي لدى المواطنين، وإعادة قراءة الموروث الحضاري السوري بمنهج علمي ومعاصر، يربط الماضي بالحاضر ضمن رؤية استراتيجية تستثمر في الهوية بدل أن تفرّط بها. فالأمم التي تحترم تاريخها قادرة على صناعة مستقبلها، أما التي تتخلى عن سرديتها، فإنها تفقد تدريجيًا موقعها في معادلة الحضارة.
ختامًا،
نأمل أن يكون الأول من نيسان محطة وعي جماعي، نعيد فيها الاعتبار لمعنى الزمن السوري، ونؤكد من خلالها أن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به، لا يزال يمتلك القدرة على النهوض، مستندًا إلى تاريخ عريق، وهوية راسخة، وإرادة لا تنكسر.
كل عام وأنتم بخير،
وسوريا بتاريخها وحضارتها باقية.


















Discussion about this post