كيف تحافظ على حبّك لنفسك قبل الآخرين؟
د. محمد عبد العزيز
السودان
ليس حبّ النفس كما يتوهّم بعض الناس ضربًا من الأنانية، ولا هو انكفاءٌ على الذات، ولا تعظيمٌ لها على حساب الآخرين؛ بل هو، في حقيقته، شرطٌ أوّل لكل علاقةٍ صحيحة، وأساسٌ لا يقوم بناءٌ إنسانيّ بدونه. فمن لم يُحسن الصلة بنفسه، لم يُحسن الصلة بغيره، ومن جهل قدره في داخله، طلبه في عيون الناس فلم يجده إلا ناقصًا أو مشروطًا.
إن الإنسان حين يُفرّط في حبّ نفسه لا يفقد شعورًا عابرًا، بل يفقد ميزانًا يزن به الأشياء؛ فيُعطي أكثر مما ينبغي، ويقبل أقلّ مما يستحق، ويظنّ أن التضحية في كل حال فضيلة، ولو كانت على حساب كرامته وسلامه الداخلي. وهنا يبدأ الخلل؛ لأن النفس، إذا لم تُصن، صارت عرضةً للاستنزاف، وإذا لم تُكرم، رضيت بما لا يليق بها.
وحبّ النفس ليس قولًا يُردّد، ولا دعوى تُقال، بل هو سلوكٌ يتجلّى في أبسط المواقف؛ في “لا” تُقال حين يجب أن تُقال، وفي حدودٍ تُرسم دون خشية، وفي اختيارٍ يُبنى على الوعي، لا على إرضاء الآخرين. إنه ذلك الصوت الهادئ الذي يُذكّرك بأن لك حقًا في الراحة، وحقًا في الاحترام، وحقًا في أن تكون كما أنت، لا كما يُراد لك أن تكون.
غير أن المحافظة على هذا الحب ليست أمرًا يسيرًا، لأن الإنسان يعيش في عالمٍ يكثر فيه الطلب، ويقلّ فيه الإنصاف؛ عالمٍ قد يُقاس فيه العطاء بقدر ما تُنكر ذاتك، ويُمدح فيه الصمت حين يكون تخلّيًا، لا حكمة. ومن هنا، يحتاج حبّ النفس إلى وعيٍ دائم، يُميّز بين ما يُعطى عن طيب نفس، وما يُؤخذ منها قسرًا.
وليس من حبّ النفس أن تُغلق أبوابك في وجه الآخرين، ولا أن تنأى عنهم كأنك في حصنٍ لا يُنال، بل أن تُحسن الاختيار: من تُقرّب، ومن تُباعد، ومن تُصغي إليه، ومن تُعرض عنه. فليس كل قربٍ نفعًا، ولا كل بعدٍ خسارة، وإنما المعيار في ذلك ما يُبقيك صادقًا مع نفسك، غير متكلّفٍ ولا مستنزف.
ومن أعظم ما يُعين على حفظ هذا الحب، أن يتصالح الإنسان مع نقصه؛ فلا يطلب من نفسه كمالًا لا يُدرك، ولا يُرهقها بما يفوق طاقتها. فإن من يُثقل على نفسه باسم المثالية، قد يكون أشدّ عليها من غيره، ومن يُحسن إليها في حدودها، كان أصدق حبًا لها ممن يُحمّلها ما لا تطيق.
كذلك، فإن حبّ النفس يقتضي الصدق معها؛ أن تعترف بخطئك دون أن تحتقر نفسك، وأن تسعى إلى الإصلاح دون أن تُلغِي قيمتك. فالإنسان الذي يُحب نفسه حقًا، لا يُدافع عن أخطائه، ولكنه لا يُحاكم ذاته محاكمةً تُسقطها، بل يُقوّمها ليُقيمها، ويُصلحها ليُبقيها.
وقد يظنّ المرء أن حبّ الآخرين يُغنيه عن حبّ نفسه، ولكن الحقيقة على خلاف ذلك؛ فإن حبّ الآخرين مهما صدق يظلّ متغيّرًا، تحكمه ظروفٌ لا يملكها الإنسان، أما حبّ النفس، فهو الثابت الذي يعود إليه حين تتبدّل الأشياء. فإذا كان هذا الثابت مفقودًا، لم يجد ما يستند إليه إذا تزلزلت العلاقات.
وهكذا، لا يكون حبّ النفس ترفًا، بل ضرورة؛ ولا يكون انغلاقًا، بل توازنًا؛ ولا يكون تعاليًا، بل إدراكًا لقيمة الإنسان في ذاته. ومن عرف هذه القيمة، لم يُفرّط فيها، ولم يُسوّمها في سوق الرضا، ولم يجعلها رهينةً لنظرةٍ عابرة أو كلمةٍ زائلة.
وفي هذا الإدراك لا في طلب القبول يكمن السلام.


















Discussion about this post