بقلم : أمين السكافي
قد يظنّ البعض أنّني أغرّد خارج السرب حين أعود للكلام عن فلسطين المحتلّة، في زمنٍ تبدو فيه المنطقة بأكملها مشتعلة؛ من إيران إلى لبنان، ومن حدود الكيان الغاصب إلى المصالح الأميركية التي تتحرّك كأشباح فوق خرائط الدم والنفط. قد يعتقد البعض أنّ الحديث عن فلسطين اليوم نوعٌ من الحنين السياسي أو البكاء على أطلال قضيةٍ أكلها الزمن، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فأنا أعي تمامًا ما يحصل حولي، وأفهم تعقيدات المشهد وتشابك الحروب والمفاوضات والصفقات، لكنّني أعود دائمًا إلى أصل الحكاية، إلى الجرح الأول، إلى الوجع الذي ما زالت الأمة تنزف منه منذ عام ١٩٤٨: فلسطين.
فكلّ ما دار ويدور من نكساتٍ وهزائم، من انقلاباتٍ وحروبٍ أهلية، من تطبيعٍ وخيانةٍ وصعود تياراتٍ متطرّفة، له علاقة مباشرة بتلك اللحظة التي دُنّس فيها أطهر ترابٍ عرفته الأرض بعد مكة والمدينة. تلك البقعة التي لم تخلُ ذرة ترابٍ فيها من أثر نبي، ولا حجارة من ذكر رسول، ولا سماء من دعاء عابرٍ للأنبياء والشهداء. فلسطين ليست قضية حدود، ولا ملفًّا سياسيًا عالقًا على طاولة الأمم المتحدة، بل هي اختصارٌ لمعنى الأمة نفسها؛ فإذا ضاعت فلسطين ضاع المعنى، وإذا ماتت في القلوب ماتت الأمة ولو بقيت الأعلام والحدود والجيوش.
لكن السؤال المؤلم ليس كيف احتُلّت فلسطين، بل كيف نسيها العرب؟
في البدايات، لم يكن النسيان كاملًا. كانت فلسطين تسكن الوجدان العربي والإسلامي بوصفها قضية وجود، وكانت الجماهير ترى فيها امتدادًا لعقيدتها وهويتها وكرامتها. غير أنّ الزمن العربي لم يعد زمن أمّة، بل زمن أنظمة. فغالبية الدول العربية الحديثة لم يتجاوز عمرها القرن الواحد، وقبل ذلك لم تكن سوى ولاياتٍ متفرقة داخل جسدٍ واحد اسمه الخلافة. وحين سقط ذلك الجسد الكبير، خرجت من رحمه كياناتٌ خائفة، هشة، مرتبكة، تبحث فقط عن ضمان بقائها واستمرار حكمها.
وهنا بدأت الكارثة الحقيقية.
تحوّل الحاكم العربي من قائدٍ يحمل همّ الأمة إلى حارس حدود، يخشى على كرسيّه أكثر مما يخشى على القدس وحيفا ويافا وغزة. وصارت كل دولة تعتبر نفسها جزيرة معزولة، لا علاقة لها بما يجري خلف حدودها. ومع مرور السنوات، تآكل الشعور الوحدوي، وانكفأ الإنسان العربي نحو ذاته الصغيرة؛ من الأمة إلى الدولة، ومن الدولة إلى الطائفة، ومن الطائفة إلى العائلة، ومن العائلة إلى الفرد الذي لم يعد يرى من العالم إلا جدار منزله.
وهكذا انتصر المشروع الصهيوني قبل أن ينتصر عسكريًا، لأنّه نجح في تفتيت الوعي العربي وتحويل الإنسان من كائنٍ يحمل قضية إلى مستهلكٍ لا يحمل سوى همومه اليومية. لم يعد العربي يسأل: ماذا يحدث في فلسطين ؟ بل صار يسأل فقط عن سعر الخبز والكهرباء والوظيفة والهجرة. ومع أنّ هذه المطالب محقّة وطبيعية، إلا أنّها تحوّلت بفعل القهر والتجويع والخوف إلى أدوات قتلٍ بطيء للروح الجماعية.
وما جرى في غزة كان الامتحان الأكثر قسوةً لضمير هذه الأمة. فآلاف الشهداء والجرحى والمفقودين، معظمهم من النساء والأطفال، لم يكونوا مجرد أرقامٍ في نشرات الأخبار، بل كانوا مرآةً تكشف ما وصلنا إليه من عجزٍ وتبلّدٍ وانكسار. تابع العرب المجازر كما تُتابَع الأحداث العابرة؛ غضبٌ للحظات على شاشات الهواتف، ومنشوراتٌ مشتعلة لساعات، ثم يعود الجميع إلى تفاصيل حياتهم كأنّ شيئًا لم يكن. امتلأت الشاشات بالتحليلات، والمنابر بالخطب، والبيانات بعبارات الإدانة، لكن غزة بقيت وحدها تحت النار. حتى الدم الفلسطيني، الذي كان يومًا يحرّك الشوارع من المحيط إلى الخليج، بات يواجه برودًا مخيفًا، كأنّ كثرة المآسي أفقدت الإنسان العربي قدرته على الشعور. والأسوأ من الصمت، ذلك الاعتياد المرعب على مشاهد القتل؛ أطفالٌ يُنتشلون من تحت الركام، وأمهاتٌ يودّعن أبناءهن بأشلاء ممزقة، ومدنٌ تُمحى بالكامل، فيما العالم العربي الرسمي يكتفي بعبارات القلق والدعوات إلى “ضبط النفس”. وكأنّ المطلوب من الضحية أن تضبط أنفاسها وهي تُذبح. هنا تحديدًا تتجلّى المأساة الكبرى: لم تعد فلسطين عند كثيرين قضية مصير، بل خبرًا يوميًا عابرًا يُؤلم للحظات ثم يُنسى، بينما بقي أهل غزة وحدهم يحملون عن الأمة عبء الكرامة والدم والمواجهة.
حتى الدين نفسه تغيّر دوره. فبعد أن كان محرّكًا للوحدة والنصرة والعدل، تحوّل في كثيرٍ من المجتمعات إلى طقوسٍ اجتماعية وعاداتٍ موسمية. بات الإنسان يصلّي ثم ينام مطمئنًا فيما الأقصى يحترق، ويحفظ النصوص التي تحثّ على نصرة المظلوم لكنه يتعامل معها كأنّها حكايات من زمنٍ غابر. صار التدين شكليًا في كثير من الأحيان، بينما غابت القيم الكبرى التي صنعت يومًا حضارةً امتدت من المحيط إلى الهند.
إنّ العرب لم ينسوا فلسطين دفعةً واحدة، بل نُزعت منهم تدريجيًا؛ عبر الخوف، والفقر، والطائفية، والاستبداد، والإعلام، وحدود سايكس بيكو، وحتى عبر تحويل الإنسان العربي إلى كائنٍ متعب لا يملك رفاهية التفكير بالقضايا الكبرى.
ومع ذلك، تبقى فلسطين الحقيقة الوحيدة التي كلما حاولوا دفنها عادت لتنهض من تحت الركام. لأنّ القضايا المقدسة لا تموت، ولأنّ الشعوب قد تنام طويلًا لكنها لا تفقد ذاكرتها إلى الأبد. وفلسطين، مهما حاول البعض اختصارها بخريطة أو مفاوضات أو معابر، ستبقى المرآة التي تكشف حقيقة هذه الأمة: إن نهضت لأجلها نهضت معها، وإن تخلّت عنها سقطت ولو امتلكت كل أسباب القوة.

















Discussion about this post