لم تعد المأساة التي يعيشها الإنسان اليوم مقتصرة على الحروب أو الأزمات الاقتصادية والسياسية فحسب، بل تحوّلت إلى أزمة وجودية وأخلاقية عميقة تضرب جوهر العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان. فعندما ننظر إلى واقعنا في سوريا ولبنان والعراق وتركيا وإيران، نجد أن الروابط التي كانت يومًا تمنح المجتمع روحه ، بدأت تتفكك بصمت. لم تعد العلاقة بين البشر قائمة على التضامن أو المشاركة أو الشعور الإنساني، بل تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى علاقة منفعة ومصلحة مادية باردة. وحتى علاقة الإنسان بالطبيعة لم تعد علاقة انسجام واندماج، بل أصبحت علاقة استغلال واستهلاك وهيمنة.
في البحث عن معنى العلاقة والروابط بين الابن وأمه وأبيه ، بين الجار وجاره ، بين الإنسان ومجتمعه، نجد أن شيئًا ما قد انكسر في داخلنا ، كيف يمكن لإنسان أن يسمع قصف الحي المجاور، ويرى موت الأطفال والناس، ثم يبحث في اللحظة نفسها عن فسحة لهو أو متعة وكأن شيئًا لم يحدث ؟ وكيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الوصول إلى السلطة مبررًا للجرائم باسم حماية الدولة والسيادة ، ولو كان الثمن الأخلاق والكرامة الإنسانية؟
لقد خلق العصر الحديث إنسانًا غريبًا عن ذاته ؛ يعيش وسط الحشود لكنه وحيد ، يمتلك وسائل الاتصال لكنه عاجز عن بناء علاقة حقيقية مع الآخر، وكأن الإنسان تحوّل تدريجيًا إلى آلة تتحرك بلا روح ، تؤدي وظائفها اليومية دون أن تشعر بآلام المجتمع أو نبض الجماعة ، وهنا تبرز الأسئلة الأكثر قسوة : ما الذي أفقدنا بوصلة الإنسانية ؟ ومتى تراجعت الروح الجماعية أمام هذا الكم الهائل من الفردية والأنانية والاغتراب ؟
لذلك، فإن البحث في فكرة الكومونة المجتمعية لا يأتي من باب الحنين الرومانسي إلى الماضي ، بل من محاولة فهم اللحظة التي انقطعت فيها علاقة الإنسان بمجتمعه وبقيمه الأخلاقية ، فالكومونة بوصفها روحًا جماعية قبل أن تكون مؤسسة ، تمثل محاولة لاستعادة الإنسان من غربته ، وإعادة بناء العلاقات الإنسانية على أساس المشاركة والتكافل والحرية والديمقراطية ، وفي زمن تتآكل فيه الروابط الاجتماعية وتتحول فيه الحياة إلى سباق فردي قاسٍ ، يبدو السؤال عن الكومونة سؤالًا عن مصير الإنسان نفسه : هل ما زال قادرًا على استعادة إنسانيته ، أم أنه يسير نحو عالم بلا روح ؟
منذ آلاف السنين عاش الإنسان ضمن جماعات صغيرة متماسكة، يتشارك فيها الخبز والعمل والخوف والأمل ، فلم يكن الفرد يرى نفسه كيانا منفصلا عن الجماعة ، بل كان جزءًا من نسيج اجتماعي يمنحه المعنى والحماية والهوية ، ففي القرى الزراعية الأولى في ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، وفي المجتمعات الأمومية القديمة في أفريقيا وآسيا، وحتى في القبائل العربية والكردية والشرقية التقليدية، كان الإنسان يشعر بأن حياته مرتبطة بحياة الآخرين ، وأن البقاء لا يتحقق إلا بالتعاون والتكافل ، تلك الروح الجماعية كانت تمثل ما يمكن تسميته اليوم بالروح الكومونية ؛ أي روح المجتمع الذي يدير نفسه بنفسه ، ويؤمن بأن الإنسان لا يصبح إنسانًا حقيقيًا إلا داخل الجماعة.
لكن مع ظهور السلطة الأبوية والدولة والطبقات ، بدأت هذه الروح تتراجع تدريجيًا ، وحين جاءت الحداثة الرأسمالية ، لم تكتفِ بإضعاف الجماعة ، بل أعادت تشكيل الإنسان نفسه بوصفه فردًا معزولًا تحكمه المنافسة والمنفعة والخوف من الآخر ، وهنا بدأ الاغتراب الكبير ؛ اغتراب الإنسان عن المجتمع ، وعن الطبيعة ، وحتى عن ذاته.
إن أخطر ما أنتجته الرأسمالية الحديثة ليس الفقر وحده ، بل الإنسان الوحيد ، فالمدن الحديثة المزدحمة رغم ملايين البشر فيها ، خلقت أفرادًا يشعرون بالعزلة النفسية والفراغ الوجودي . فالإنسان الذي كان يجلس يومًا مع جيرانه واهله في الساحات والحقول ، أصبح اليوم يعيش خلف الأبواب المغلقة والشاشات الباردة ، ولهذا ارتفعت معدلات الاكتئاب والانتحار والتفكك الأسري في أكثر المجتمعات تطورًا من الناحية الاقتصادية، لأن الوفرة المادية لم تستطع تعويض فقدان الروح الجماعية.
لقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم هذه الحالة حين ربط بين الانتحار وتفكك الروابط الاجتماعية ، ورأى أن الإنسان عندما يفقد شعوره بالانتماء يصبح أكثر هشاشة أمام العدم ، والأمر ذاته أشار إليه كارل ماركس عندما تحدث عن اغتراب الإنسان داخل النظام الرأسمالي ، حيث يتحول العامل إلى أداة إنتاج منفصلة عن إنسانيته ، أما في الفكر الكومينالي فإن هذا الاغتراب لا يُفهم فقط بوصفه أزمة اقتصادية ، بل بوصفه انهيارًا للعلاقة العضوية بين الإنسان والمجتمع ، والطبيعة .
ولعل التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على المجتمعات التي حاولت استعادة هذه الروح الجماعية ، ففي كومونة باريس عام 1871، لم يكن العمال الفرنسيون يثورون فقط ضد السلطة السياسية ، بل كانوا يحاولون إعادة بناء المدينة على أساس المشاركة المباشرة والتعاون الشعبي ، لقد أرادوا مجتمعًا لا يُدار من فوق، بل من الناس أنفسهم ، ورغم أن التجربة سُحقت عسكريًا ، فإنها بقيت رمزًا لفكرة المجتمع الذي يدير نفسه بنفسه.
وفي التجربة الإسبانية خلال الحرب الأهلية بين عامي 1936 و1939، قامت مجتمعات فلاحية وعمالية في كاتالونيا وأراغون بتنظيم الأرض والمصانع بشكل جماعي ، كانت القرى تُدار عبر المجالس الشعبية، وكان الإنتاج يتم وفق الحاجة لا وفق الربح ، وقد لاحظ كثير من المؤرخين أن الناس في تلك المرحلة، رغم ظروف الحرب القاسية ، شعروا للمرة الأولى بأنهم شركاء حقيقيون في الحياة العامة ، لا مجرد رعايا أو موظفين لدى السلطة.
أما في الشرق الأوسط، فقد حافظت بعض المجتمعات الريفية والقبلية لفترات طويلة على أشكال من التكافل الجماعي ، ففي القرى الكردية القديمة، كان بناء منزل جديد أو حصاد الأرض يتم غالبًا عبر النفير ، أي مشاركة المجتمع كله في العمل دون مقابل فردي مباشر، هذه الممارسات لم تكن مجرد عادات اجتماعية، بل كانت تعبيرًا عن فهم عميق بأن المجتمع أقوى من الفرد المعزول.
غير أن الدولة القومية الحديثة والرأسمالية المعاصرة عملتا على تفكيك هذه الروابط ، فتحولت العائلة من فضاء اجتماعي واسع إلى وحدة استهلاكية مغلقة، واستُبدل الاقتصاد الجماعي بثقافة السوق والربح الفردي، وحتى التعليم لم يعد يهدف إلى بناء إنسان اجتماعي، بل إلى إنتاج فرد ينافس الآخرين في سوق العمل ، وهكذا نشأ الإنسان الذي يملك كل وسائل الاتصال، لكنه عاجز عن بناء علاقة حقيقية مع محيطه.
إن الكومونة ليست مجرد مؤسسة تنظيمية ، بل محاولة لاستعادة روح الجماعة التي فقدها الإنسان الحديث ، فالكومونة تقوم على فكرة أن المجتمع يجب أن يكون صاحب قراره وقدرته وإرادته ، وهي لا تعني إلغاء الفرد، بل تحريره من العزلة والاغتراب ، لأن الفرد لا يكتمل إلا داخل مجتمع حر ومتضامن.
ولهذا فإن بناء الكومونة يبدأ من ثورة في الشخصية ، فلا يمكن للإنسان المشبع بالفردية الليبرالية أن يبني مجتمعًا جماعيًا ، فالكومونة تحتاج إلى إنسان يؤمن بالمشاركة والعمل المشترك والمسؤولية الاجتماعية ، ولهذا يربط الفكر الكومينالي بين التحرر الشخصي والتحرر المجتمعي ؛ فكلما تحرر الإنسان من الأنانية والخوف والتنافس المرضي ، أصبح أكثر قدرة على بناء مجتمع ديمقراطي.
إن الأزمة الكبرى اليوم ليست فقط أزمة سلطة أو اقتصاد، بل أزمة معنى ، فالإنسان المعاصر يملك التكنولوجيا ، لكنه يفقد الشعور بالانتماء ، يملك وسائل الراحة ، لكنه يعاني من الوحدة ، يعيش وسط المدن العملاقة ، لكنه يشعر بالغربة داخلها ، ولهذا فإن العودة إلى الروح الجماعية لا تعني العودة إلى الماضي ، بل إعادة اكتشاف الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا.
الكومونة، بهذا المعنى، ليست حنينًا رومانسيًا إلى التاريخ، بل محاولة لإنقاذ المستقبل ، إنها مشروع لإعادة بناء المجتمع على أساس الحرية والمساواة والديمقراطية ، ولكن انطلاقًا من الناس أنفسهم ، لا من الدولة أو السوق ، فحين يستعيد الإنسان قدرته على المشاركة والعمل المشترك وصنع القرار الجماعي ، فإنه لا يبني فقط مؤسسات جديدة ، بل يستعيد أيضًا إنسانيته التي اغتربت طويلًا تحت ثقل الفردية والسلطة والرأسمالية.
عامر داوود

عامر داوود محامي وباحث عضو سابق لمجلس الشعوب الديمقراطية وعضو أكاديمية علم الاجتماع في سوريا ومؤسس مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط ببيروت

















Discussion about this post