كتب رياض الفرطوسي
ليست مجرد مفردة شعبية عابرة، بل هي توصيف لجيولوجيا الروح العراقية التي ترزح تحت طبقات من الخيبات المتراكمة. حين نقول “ما مرتاح”، فنحن لا نتحدث عن أرق ليلة واحدة، بل عن استنزاف منظم للحياة بدم بارد، وعن “إبادة صامتة” لا تحتاج إلى مقاصل أو رصاص لتعلن عن نفسها، بل تكتفي بتجفيف الأنهار، وتلويث الهواء، وتحويل التربة إلى رماد أحمر يبتلع الرئة والأمل. إنه القتل الذي لا يترك بصمة على الجسد، بل يترك ندبة في البيئة والقيم، حيث يُغلف الموت بغلاف من الصبر والإيمان المزيّف، ليصبح القبول بالخراب نوعاً من أنواع “الصلابة” المفروضة قسراً.
هذا العراق الذي كان يوماً مهداً للرصانة، حيث القصيدة ميزان، والكلمة عهد، صار اليوم ساحة لما تسميه الباحثة فرانسيس سوندرز “الحرب الثقافية”، حيث يُحتفى بالتفاهة وتُسوّق الضحالة في الفن والأدب والكتابة والمسرح والسينما كخيار وحيد، لتغييب الوعي الجمعي. لقد فُتحت أبواب “المحرقة” البيئية والاجتماعية على مصراعيها؛ فالموت الذي يهرب منه العراقي بالرحيل إلى “رحمة الله” هو في الحقيقة هروب من جحيم بشري الصنع. لماذا نبكي الراحلين ونحن نعلم أنهم نجوا من سموم الهواء، ومن وعود الساسة التي تشبه الثقوب السوداء تبتلع المستقبل؟ لقد صار الموت هو “المخلّص” الوحيد من نظام قيمي منهار، حيث القاتل يرتدي ثوب المنقذ، والضحايا يموتون من المرض والفاقة والبطالة والانتظار والحيرة والاهمال والخوف والوشاية والنفاق والكره والحسد .
في خضم هذا الضياع، يطلّ صوت الشاعر كاظم إسماعيل الكاطع كمنارة من وجع، ليعيد تعريف الخيانة والخذلان. لم يكن الكاطع يشكو تعب الجسد، بل كان يشخص حالة “الاصحاب” الذين ينتظرون سقوط المهرة ليصفقوا للموت. يقول في مرارته:
عثرت مهرتي … وربعي قبل ما طيــح
واحد كًال للثاني: أبشـــــرك طـــــاح
هذه الأبيات التي كانت يوماً تهمس برمزيتها عن قسوة الأنظمة، صارت اليوم صرخة تنطبق على مشهد كامل من الفساد والمؤامرات الصامتة. هي قصة الفارس الذي جازف بحياته حين سمع صياح الخطر في النهر، فصارع الموت لينقذ من غرق، وحين خرج مثخناً بالدماء، لم يجد يداً تمسح عنه التعب، بل وجد جمهوراً “يصفق للتمساح”. إنه الخذلان الذي يحول البطولة إلى مأساة، ويجعل من النجاة عبئاً ثقيلاً لا يطاق.
كيف يرتاح من يرى الأشجار تُقطع لتختنق العصافير، والمياه تُجفف لتموت الأسماك؟ وكيف يرتاح من يعيش في وطن يُراد له أن يكون “جيلاً بلا تعليم” غارقاً في المخدرات والسلاح؟ إنها معركة “الموت الأبيض” التي تقتل فينا الإنسان قبل أن تقتل الجسد. ولأن كل طرف يمسك على الآخر “ورقة جريمة”، يبقى الصمت هو سيد الموقف، ويبقى المواطن هو الحطب في مدفأة المصالح الدولية والمحلية. لذا، حين تضيق الأنفاس وتتعثر المهرة في ليل العراق الطويل، لا يجد العراقي إلا أن يردد بمرارة الكاطع ويقينه: “كل هذا وتريد أرتاح؟.. ما مرتاح”.

















Discussion about this post