تُعدّ أحداث ديرسم بين عامي 1937-1938 واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة، ليس فقط بسبب حجم العنف الذي رافق العمليات العسكرية، بل أيضاً لأنها تكشف عن طبيعة العلاقة بين مشروع الدولة القومية المركزية والتعددية الإثنية والدينية في الأناضول.
وقد تحولت ديرسم، التي تُعرف اليوم باسم تونجلي، إلى رمزٍ للصدام بين السلطة المركزية ومجتمع محلي حافظ لقرون طويلة على خصوصيته الثقافية والدينية والاجتماعية.
تقع ديرسم في شرقي الأناضول فوق الهضبة الأرمنية، وتبلغ مساحتها نحو 7582 كيلومتراً مربعاً. وقد عُرفت تاريخياً بتنوعها الإثني والديني، إذ سكنها الكرد والزازا والأرمن، إلى جانب جماعات دينية ذات طابع علوي وقزلباشي. كما تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات عديدة، من الحوريين والميتانيين والأورارتيين إلى الأرمن والبيزنطيين والسلاجقة والعثمانيين. وتُعرف المنطقة بالكردية باسم «بارێزگهها ديرسم»، وبالزازاكية «ديسم ولايت»، وبالأرمنية «ديرسيمي مارز».
الدولة القومية وإشكالية الأطراف
من التمرد المحلي إلى العنف الشامل
مع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، سعت النخبة الكمالية إلى بناء دولة قومية حديثة تقوم على مركزية السلطة والهوية التركية الواحدة. وفي هذا السياق، اعتُبرت المناطق ذات البنى العشائرية أو الخصوصيات الإثنية والدينية المختلفة تحدياً لمشروع التوحيد القومي. وقد كانت ديرسم من أبرز هذه المناطق، بسبب طبيعتها الجبلية، وتركيبتها الاجتماعية العشائرية، وأغلبيتها الكردية-الزازية العلوية.
يرى عدد من الباحثين، مثل مارتن فان بروينسن وإسماعيل بيشكجي، أنّ سياسات الدولة التركية تجاه ديرسم لم تكن مجرد حملة أمنية، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والثقافي وفق نموذج قومي مركزي. وفي هذا الإطار، صدر قانون «تونجلي» عام 1935، الذي وضع المنطقة تحت إدارة عسكرية خاصة عُرفت باسم «المفتشية العامة الرابعة»، ومنح السلطات صلاحيات واسعة شملت التهجير وإعادة التوطين والإدارة العسكرية المباشرة.
تزايد التوتر بين الدولة والسكان المحليين بعد سلسلة من الإجراءات التي استهدفت تقليص سلطة الزعامات العشائرية وإخضاع المنطقة للإدارة المركزية. وفي عام 1937، اندلعت مواجهات مسلحة بين القوات التركية وبعض المجموعات المحلية بقيادة سيد رضا، الذي أصبح لاحقاً رمزاً للمقاومة في الذاكرة الكردية والعلوية.
وفي أيلول/سبتمبر 1937، توجّه سيد رضا إلى أرزينجان لإجراء مفاوضات مع السلطات، لكنه اعتُقل ونُقل إلى إلازيغ، حيث أُعدم مع عدد من مرافقيه بعد محاكمات استثنائية جرت في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه. وقد أشار إحسان صبري جاغلايانغيل، الذي أصبح لاحقاً وزيراً للخارجية التركية، في مذكراته إلى الوقع الكبير الذي تركته شخصية سيد رضا وكلماته الأخيرة.
المجزرة بين الذاكرة المجتمعية والتاريخ المخفي
لا يزال عدد الضحايا موضع جدل بين الباحثين، إذ تتفاوت التقديرات بين عشرات الآلاف وأكثر من ذلك، بسبب غياب الإحصاءات الدقيقة وطبيعة العمليات العسكرية التي شملت القصف المدفعي والجوي وعمليات التهجير الواسعة. كما تشير بعض الشهادات الشفوية والوثائق التي ناقشها باحثون أتراك وأجانب إلى احتمال استخدام غازات سامة خلال العمليات العسكرية، وهي قضية ما تزال محل نقاش تاريخي وأكاديمي.
وقد تناول مؤرخون مثل تانر أكشام هذه الأحداث ضمن سياق أوسع يتعلق بعلاقة الدولة التركية المبكرة بالأقليات وبسياسات الهندسة الديموغرافية والثقافية. كما ظهرت خلال العقود الأخيرة شهادات شفوية ووثائق أرشيفية وتقارير دبلوماسية أجنبية أعادت فتح النقاش حول طبيعة ما جرى في ديرسم، وما إذا كان يمكن توصيفه بوصفه «مجزرة جماعية» أو «تطهيراً إثنياً» أو «إبادة جماعية» وفق المفاهيم القانونية والسياسية الحديثة.
وفي عام 2011، أثار رجب طيب أردوغان القضية مجدداً عندما وصف أحداث ديرسم بأنها «واحدة من أكثر الأحداث مأساوية في التاريخ التركي الحديث»، مقدماً اعتذاراً باسم الدولة، في خطوة رأى فيها البعض محاولة للاعتراف الرمزي بالمأساة، بينما اعتبرها آخرون جزءاً من الصراع السياسي الداخلي التركي.
مجزرة ديرسم وبناء الدولة القومية
تكشف تجربة ديرسم عن إحدى الإشكاليات المركزية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: كيف تعاملت الدولة القومية مع المجتمعات المتعددة إثنياً ودينياً؟ فقد سعت الأنظمة القومية في المنطقة إلى بناء هوية وطنية موحّدة، لكنها غالباً ما تعاملت مع التنوع بوصفه تهديداً للاستقرار السياسي أو لوحدة الدولة، الأمر الذي أدى في حالات عديدة إلى سياسات التذويب الثقافي أو العسكرة أو التهجير.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم أحداث ديرسم فقط باعتبارها مواجهة عسكرية محلية، بل بوصفها جزءاً من عملية تاريخية أوسع ارتبطت ببناء الدولة الحديثة، والعلاقة المتوترة بين المركز والأطراف، وبين السلطة والتعددية الثقافية.
بعد مرور عقود على أحداث ديرسم، ما تزال القضية حاضرة في الذاكرة الجماعية للكرد والعلويين والزازا، كما أصبحت موضوعاً للنقاش داخل تركيا وخارجها. وقد ساهمت الجاليات الديرسمية في أوروبا في الحفاظ على هذه الذاكرة من خلال النشاط الثقافي والفني وإحياء الذكرى السنوية للأحداث.
لكن ديرسم لا تطرح فقط سؤال الماضي، بل تفتح أيضاً أسئلة الحاضر والمستقبل:
هل تستطيع الدولة القومية في الشرق الأوسط التعايش مع التعددية الثقافية والدينية؟
وهل يشكّل الاعتراف بالمجازر والانتهاكات التاريخية شرطاً لبناء مصالحة حقيقية بين الشعوب والدول؟
وهل يمكن بناء ذاكرة مشتركة تتجاوز الإنكار والثأر نحو العدالة والاعتراف المتبادل؟
الحلقة (5) – تفرد القرار وكلفة السرد: حزب الله بعد حرب الإسناد حين تُسمّى الهزائم انتصارات
الدولة في الشرق الأوسط: من وهم الاستقرار إلى أزمة التعريف (1)، قراءة في تحوّل الدولة، التعدد، والحرب في زمن انهيار النماذج
التغيّر بين دوغمائية الإنسان إلى تجارة الحروب
الذكاء الاصطناعي بين إنتاج المعرفة وإعادة هندسة الاستبداد
التنظيمات المحلية، المجالس، والكومونات بوصفها أشكال حكم ذاتي
هامو موسكوفيان

ماجستير في الصحافة الدولية ماجستير في التاريخ (من جامعة يريفان الحكومية، أرمينيا) علم الآثار الأرمنية والسياسة الدولية في جامعة هايكازيان، بيروت، والجامعة الحكومية الرومانية، بوخارست مؤلف لأكثر من 3000 مقال، ومقابلات تلفزيونية، ومراسلات في حوالي 15 صحيفة ومجلة، وقنوات تلفزيونية في أربع قارات.
















Discussion about this post