كتب / سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، رغم إعلان وقف إطلاق النار، وما يرافق ذلك من تصعيد عسكري وعمليات قصف واغتيالات وتهجير واستنزاف اقتصادي واجتماعي، يقف لبنان أمام واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، حيث تتداخل الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والوجودية، وتتعاظم المخاوف من انزلاق البلاد نحو مزيد من الانقسام والتفكك.
لقد أثبتت التجارب اللبنانية المتراكمة أن أي معالجة جزئية أو فئوية للأزمات، لن تكون قادرة على إنتاج استقرار حقيقي أو بناء دولة قادرة وعادلة. فلبنان، بتنوعه الديني والثقافي والسياسي، يحتاج اليوم إلى مقاربة وطنية شاملة، تنطلق من حماية الإنسان اللبناني أولًا، ومن إعادة بناء الثقة بين مكونات الدولة والمجتمع.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى انعقاد قمة روحية جامعة، تُعقد في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وتضم مختلف المرجعيات الدينية والروحية الإسلامية والمسيحية في لبنان، باعتبارها خطوة تأسيسية ضرورية لإعادة إنتاج مساحة وطنية جامعة، تعلو فوق الاصطفافات والانقسامات والتجاذبات الإقليمية.
إن أهمية هذه القمة لا تكمن فقط في بعدها الرمزي أو المعنوي، بل في قدرتها على توجيه رسالة وطنية وأخلاقية جامعة تؤكد:
رفض استمرار الحرب والاعتداءات واستهداف المدنيين.
التمسك بوحدة لبنان وسيادته وسلمه الأهلي.
حماية العيش المشترك ومنع الفتن والانقسامات الداخلية.
دعم أي مسار يؤدي إلى وقف شامل لإطلاق النار.
الدعوة إلى معالجة وطنية مسؤولة لقضايا الدفاع والسيادة والاستقرار.
التأكيد أن الحوار هو السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان.
وعلى أن يشكّل البيان الختامي لهذه القمة الروحية مدخلًا وطنيًا جامعًا لعقد مؤتمر حوار وطني شامل، يضم مختلف القوى السياسية والروحية والفكرية والاجتماعية اللبنانية، بهدف التوافق على رؤية وطنية واضحة لمستقبل الدولة اللبنانية.
فلبنان اليوم بحاجة إلى مؤتمر وطني حقيقي يناقش بجرأة ومسؤولية:
مستقبل الدولة اللبنانية.
مفهوم السيادة والاستراتيجية الدفاعية.
العلاقات اللبنانية العربية والإقليمية والدولية.
معالجة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى مناطقهم.
بناء دولة المؤسسات والقانون والعدالة.
تعزيز الشراكة الوطنية بين جميع اللبنانيين.
إن خطورة المرحلة الراهنة لا تسمح بمزيد من الرهانات على الخارج وحده، ولا بالاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية، بل تتطلب إرادة داخلية شجاعة تنتج مشروعًا وطنيًا جامعًا، يحفظ لبنان من الانهيار، ويعيد للدولة هيبتها ولدورها الوطني والإنساني مكانته.
فالحروب لا تبني أوطانًا، والانقسامات لا تصنع استقرارًا، أما الحوار الصادق والعدالة والشراكة الوطنية، فهي وحدها القادرة على حماية لبنان وصناعة مستقبله.
إن انعقاد القمة الروحية اليوم لم يعد ترفًا سياسيًا أو بروتوكوليًا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وتاريخية، قد تشكّل المدخل الحقيقي لإنقاذ لبنان، وإطلاق مسار وطني جديد يرسم حاضر الدولة ومستقبل الأجيال القادمة.
—
خاتمة القول:
إن خطاب التحريض الطائفي، وعقلية الاستكبار والتهميش، والتفرّد بالقرار الوطني من مختلف القوى السياسية، لم تعد مجرد مظاهر خلاف عابر، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر لوحدة لبنان وكيانه ومستقبله.
وأمام هذا الواقع، لم يعد ممكنًا الاستمرار في إدارة الأزمة، ولا الاكتفاء بردود الفعل، بل بات المطلوب قرار وطني شجاع يفتح باب الحل الحقيقي، ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة.
من هنا، تبرز القمة الروحية كمدخل إنقاذي جامع، يصدر عنها بيان وطني يشكّل خارطة طريق واضحة نحو مؤتمر وطني عاجل، تشارك فيه جميع القوى السياسية، على أن تكون مخرجاته وتوصياته ملزمة للدولة ولكافة المرجعيات الروحية والسياسية.
إن لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الانتقال إلى مرحلة التلاقي الوطني الشامل وبناء مشروع دولة عادلة وقادرة…
أو الاستمرار في مسار الانقسام والاستنزاف، بما يحمله من مخاطر على الحاضر والمستقبل.
وفي لحظة كهذه، لا يكون الحياد خيارًا، ولا التأجيل حلًا…
بل القرار مسؤولية وطنية وتاريخية.
“صوت من أجل شرق ينهض من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

















Discussion about this post