كتب رياض الفرطوسي
يتعرض الفضاء الإعلامي والسياسي اليوم لزلزال صامت تقوده الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وهو ما بدا جلياً في التحول العميق لطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي وصورته الذهنية عالمياً. لعقود طويلة، ظل الإعلام العربي حبيس شعارات فضفاضة وصور نمطية ترى إسرائيل ككتلة واحدة صماء ومنسجمة، متجاهلاً التناقضات الداخلية العميقة التي تعيشها؛ بدءاً من أزمة الهجرة المعاكسة وتصاعد تيار التدين وسيطرته على المفاصل السياسية والعسكرية، وصولاً إلى مكامن قوتها الحقيقية القائمة على الإنتاج العلمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، والتي تفسر تحالفاتها العميقة مع قوى صاعدة كالهند والصين خارج حسابات العواطف والعدالة. هذا القصور المعرفي جعل الوعي العربي والخطاب الموجه للغرب يفتقر للعمق التاريخي والتحليلي، مما كرّس لتبعية إعلامية غريبة؛ فبينما يمتلك العالم العربي مئات المنصات، تظل الصحافة الغربية هي المرجع الأول والموثوق حتى في نقل قضايانا، في حين لا تكاد وسائل الإعلام الكبرى تلتفت لما تنتجه المنصات العربية إلا في حدود نقل الوقائع والأخبار العاجلة.
إلا أن المشهد انقلب رأساً على عقب مع دخول الخوارزميات الحديثة على خط المواجهة؛ حيث نجحت في كسر الاحتكار الإعلامي التقليدي من خلال ربط مفاهيم معاصرة وواقعية كالإبادة الجماعية، والاستعمار، والفصل العنصري (الأبارتهايد) بالوعي الإنساني للشباب الغربي دون الحاجة للشعارات العربية القديمة. هذا التلاقي الرقمي بين الشباب العربي ونظيره الغربي، المرتكز على قيم إنسانية مشتركة، أحدث اختراقاً غير مسبوق في الجهاز العصبي واللاوعي للمتلقي، مما يفسر موجات الغضب المفاجئة في الأوساط الغربية وحتى داخل قطاعات واسعة من اليهود الأمريكيين والأحزاب الأوروبية الكبرى عقب المجازر الأخيرة. لكن هذا التحول الرقمي الفعال في وسائل التواصل يواجه في المقابل تحدياً وجودياً مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي في غرف الأخبار، والذي تحول إلى سيف ذي حدين؛ ففي الوقت الذي يسرّع فيه وتيرة العمل وجمع المعلومات، فإنه يخلق حالة من البلادة الذهنية والاتكالية لدى الإعلاميين، وينتج محتوى مشوباً بالأخطاء والبيانات المضللة، مما يهدد بإفراغ الصحافة من رصانتها الفكرية وقدرتها على التحليل النقدي المعمق وصياغة وعي حقيقي ومستدام.

















Discussion about this post