كتب الاقتصادي شادي أحمد
اقتصاد سورية 2010.. لم يكن ضخماً لكنه كان حقيقياً وصلباً
عند تقييم الاقتصادات الناشئة، غالباً ما تقع أعين المحللين والمراقبين على الرقم المطلق للناتج المحلي الإجمالي.
وبمعايير عام 2010، لم يكن حجم الاقتصاد السوري البالغ 62.5 مليار دولار رقماً ضخماً أو عملاقاً في قائمة الاقتصاد العالمي، ولكنه يعتبر أفضل بكثير من الأرقام والمؤشرات في العديد من الدول النامية.
إلا أن القيمة الحقيقية للاقتصاد السوري في تلك المرحلة لم تكن تكمن في حجمه، بل في بنيته الهيكلية ومكوناته. لقد كان اقتصاداً قوياً، ومستقلاً، وإنتاجياً، والأهم من ذلك أنه كان اقتصاداً خالياً من الفقاعات والديون.
فما الذي جعل من هذا الرقم نموذجاً اقتصادياً صلباً ومتوازناً؟
تحليل المكونات وسيادة القطاعات الإنتاجية
في معظم الدول النامية، يتورم الناتج المحلي الإجمالي نتيجة قطاعات غير إنتاجية، مثل اقتصادات الريع النفطي، أو المضاربات العقارية، أو قطاع الخدمات اللوجستية المرتبط بالاستيراد العشوائي.
في سورية 2010، كان المشهد مختلفاً؛ حيث شملت المكونات الأساسية للناتج قطاعات حقيقية بالدرجة الأولى.
سجل القطاع الزراعي مساهمة رئيسية تراوحت بين 17 إلى 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. لم تكن الزراعة مجرد نشاط هامشي، بل حققت سورية عبرها الاكتفاء الذاتي المطلق في السلع الاستراتيجية كالقمح والقطن والخضار وزيت الزيتون والحمضيات، مع تصدير الفائض.
وبالتوازي مع ذلك، أسهم القطاع الصناعي، وخاصة التحويلي والنسيجي والغذائي والدوائي، بنحو 18 إلى 20 بالمئة من الناتج، مما جعل الإنتاج المحلي يغطي حاجة السوق وينافس بقوة في أسواق المنطقة.
تبديد وهم الريع.. النفط ليس المحرك الأساسي
ثمة انطباع خاطئ بأن النفط كان الممول الأساسي للاقتصاد السوري. بلغة الأرقام والحسابات، تراجع إنتاج سورية من النفط ليصل في عام 2010 إلى حوالي 380 ألف برميل يومياً، كان يستهلك محلياً منها قرابة 200 ألف برميل، ويُصدر الباقي كنفط خام.
وإذا قمنا بحساب الإيراد الصافي لتصدير حوالي 180 ألف برميل يومياً بأسعار ذلك العام، لوجدنا أن هذا الإيراد لم يكن يشكل جزءاً كبيراً أو فرقاً ضخماً من الناتج المحلي الإجمالي، حيث لم تتجاوز عوائد النفط والفوسفات معاً نسبة تتراوح بين 10 إلى 12 بالمئة من الناتج. لم تكن سورية دولة ريعية يعتمد عيشها على الثروات الباطنية، بل كان النفط مجرد عامل مساعد للموازنة العامة وليس قوام الاقتصاد.
غياب المديونية وتحويلات المغتربين.. سيادة مالية مطلقة
السمة الأبرز التي جعلت الـ 62.5 مليار دولار رقماً حقيقياً بامتياز هي خلوّه من التشوهات والالتزامات الخارجية. دخلت سورية عام 2010 بمديونية خارجية شبه معدومة، بعد تسوية جميع الديون التاريخية. هذا يعني أن كل دولار في الناتج المحلي كان مملوكاً بالكامل للاقتصاد الوطني، ولم يكن رهينة لأموال ساخنة أو شروط وتدخلات من المؤسسات المالية الدولية.
ومن جهة أخرى، وعلى عكس دول نامية عديدة تشكل تحويلات المغتربين فيها شريان الحياة الأساسي للاقتصاد، كانت تحويلات السوريين في الخارج تمثل رافداً إضافياً يدعم الدخل العائلي والحركة التجارية، لكنها لم تكن المكون الذي يتكئ عليه هيكل الناتج المحلي الإجمالي ليحافظ على توازنه.
التنوع والديناميكية الاقتصادية
إلى جانب الصناعة والزراعة، كان هناك دعم ملموس لقطاع السياحة، حيث شهد عام 2010 طفرة سياحية حقيقية استقطبت ملايين الزوار، ليرفد هذا القطاع والخدمات المرتبطة به الاقتصاد بنحو 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، محققاً عوائد مهمة من النقد الأجنبي. هذا التنوع والاعتماد على الذات منح الاقتصاد مرونة فريدة وحماية من الهزات الخارجية، مثل الأزمة المالية العالمية التي نجا منها تماماً.
خلاصة القول، لم يكن الاقتصاد السوري عام 2010 عملاقاً من حيث الحجم المالي الإجمالي، ولكنه كان اقتصاداً قوياً لأن مكوناته كانت قوية وحقيقية. الـ 62.5 مليار دولار لم تكن أرقاماً دفترية أو ديوناً متراكمة، بل كانت تعكس حركة معامل تدور، وأراضٍ تُزرع، واكتفاءً ذاتياً عزز استقلالية القرار الاقتصادي والسياسي للبلاد.
#شادي_احمد

















Discussion about this post