أميركا ولبنان… شراكة دولة أم حراسة مشروع؟

 

بقلم : أمين السكافي .

في السياسة، لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. وهذه ليست مقولة جديدة، بل هي القاعدة التي حكمت العلاقات الدولية منذ أن تحولت الدول إلى لاعبين يبحثون عن النفوذ قبل المبادئ. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا تريد الولايات المتحدة من لبنان؟ وهل تنظر إليه بوصفه دولة تستحق الإنقاذ، أم بوصفه ساحةً متقدمة في معركة حماية إسرائيل؟

 

هذا السؤال ليس وليد اللحظة. فمنذ استقلال لبنان، كانت واشنطن حاضرة بدرجات متفاوتة. حضرت في عام 1958 بقوات المارينز، وعادت بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم انسحبت بعد تفجير مقر قواتها. وبعد اتفاق الطائف دعمت إعادة الإعمار سياسياً، ثم عادت بعد عام 2005 لاعباً أساسياً في رسم التوازنات اللبنانية. واليوم تعود من جديد تحت عنوان مختلف: الإصلاح، والسيادة، وتنفيذ القرارات الدولية، وضبط الحدود، وحصر السلاح بيد الدولة.

 

كل هذه العناوين قد تبدو، في ظاهرها، منطقية، بل إن كثيراً منها يشكل مطلباً لبنانياً قبل أن يكون مطلباً أميركياً. لكن السياسة لا تُقرأ بالعناوين، بل بالأولويات.

 

ولو سألنا أنفسنا: ما هي الأولوية الأميركية في الشرق الأوسط منذ عقود؟ لكان الجواب شبه ثابت: أمن إسرائيل.

 

قد تختلف الإدارات الأميركية بين جمهوري وديمقراطي، وقد تختلف وسائل الضغط أو أساليب التفاوض، لكن الثابت الذي لم يتغير هو اعتبار أمن إسرائيل جزءاً من الأمن القومي الأميركي. ومن هنا يصبح لبنان، بالنسبة إلى واشنطن، مهماً بقدر ما يؤثر في هذه المعادلة.

 

فحين يهدد الجنوب اللبناني أمن الحدود الشمالية لإسرائيل، يصبح لبنان أولوية. وحين تهدأ الجبهة، يتراجع الاهتمام تدريجياً. وحين تدخل المنطقة في مفاوضات كبرى، يعود لبنان إلى الطاولة، لا بوصفه ملفاً مستقلاً، بل باعتباره جزءاً من لوحة إقليمية أوسع.

 

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لا ترغب في استقرار لبنان. على العكس، فهي تدرك أن انهياره الكامل قد يفتح أبواب الفوضى والهجرة والإرهاب والمخدرات، وهي ملفات لا تخدم مصالحها ولا مصالح أوروبا. لكنها، في الوقت نفسه، لا تبدو مستعدة لدفع أثمان كبيرة من أجل لبنان إذا تعارض ذلك مع أولوياتها الإقليمية.

 

ولعل التجربة التاريخية تقدم شواهد كثيرة.

 

فواشنطن لم تمنع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ولم تستطع فرض تطبيق جميع القرارات الدولية المتعلقة بلبنان، كما أنها لم تُظهر الحزم نفسه في كل مرة تعرض فيها لبنان لاعتداءات إسرائيلية. وفي المقابل، كانت أكثر تشدداً عندما تعلق الأمر بضبط حركة السلاح أو النفوذ الإيراني أو نشاط حزب الله.

 

وهنا يدخل لبنان في قلب الاشتباك الأميركي الإيراني.

 

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى حزب الله باعتباره مجرد حزب لبناني، بل تعتبره امتداداً للمشروع الإيراني في المنطقة. ولذلك فإن أي تسوية أميركية مع لبنان، من وجهة نظرها، تبقى ناقصة إذا لم تؤدِّ إلى تقليص نفوذ الحزب أو تغيير قواعد الاشتباك القائمة منذ سنوات.

 

لكن السؤال الأصعب يبقى: هل تستطيع واشنطن تحقيق ذلك؟

 

الواقع أكثر تعقيداً من الشعارات. فحزب الله ليس مجرد تشكيل عسكري يمكن تفكيكه بقرار خارجي، بل هو جزء من معادلة داخلية وإقليمية نشأت عبر عقود، وتداخلت فيها عوامل الاحتلال الإسرائيلي، والبيئة الاجتماعية، والصراع الإقليمي، والفراغ الذي تركته الدولة في مراحل كثيرة. ولهذا فإن أي محاولة لمعالجة هذا الملف بالقوة وحدها قد تفتح أبواب أزمة أكبر بدلاً من أن تغلقها.

 

ومن هنا تبدو واشنطن اليوم وكأنها تحاول الجمع بين الضغط والتفاوض، وبين العقوبات والانفتاح، وبين دعم الدولة اللبنانية من جهة، والإصرار على تغيير موازين القوى داخلها من جهة أخرى.

 

لكن هل ستبقى أميركا مع لبنان حتى النهاية؟

 

التاريخ يدعو إلى الحذر.

 

فالولايات المتحدة غالباً ما تبقى ما دامت مصالحها قائمة، ثم تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير خرائط المنطقة. حدث ذلك في أكثر من دولة، وليس لبنان استثناءً. فالإدارات الأميركية تتبدل، والاستراتيجيات تتغير، أما الدول الصغيرة التي تبني مستقبلها على وعود الخارج، فكثيراً ما تجد نفسها وحيدة عند لحظة الاختبار.

 

لهذا فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على بقاء واشنطن أو رحيلها، ولا على تبدل الإدارات في البيت الأبيض، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على بناء دولة لا تتحول في كل أزمة إلى ورقة تفاوض بين العواصم.

 

إن أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو أن يختزل مستقبله في سؤال: ماذا تريد أميركا؟ لأن السؤال الأهم هو: ماذا يريد لبنان من نفسه؟

 

فإذا امتلك مشروعاً وطنياً جامعاً، وحدد مصالحه العليا، وأعاد بناء مؤسساته على قاعدة العدالة والكفاءة وسيادة القانون، فسيتعامل مع واشنطن، ومع غيرها، من موقع الدولة لا من موقع الساحة.

 

أما إذا بقي منقسماً بين محاور الخارج، فسيظل الآخرون يحددون أولوياته نيابة عنه، وستبقى كل عاصمة ترى فيه ما يخدم مصالحها، لا ما يخدم مصلحة اللبنانيين.

 

وفي النهاية، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة قوة كبرى لها تأثير واسع في لبنان والمنطقة، ولا يمكن أيضاً تجاهل أن أمن إسرائيل يحتل موقعاً مركزياً في حساباتها الاستراتيجية. لكن في الوقت نفسه، تبقى قراءة النوايا المطلقة أو الجزم بأن كل سياساتها تختزل في هذا البعد وحده تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه اعتبارات النفوذ الإقليمي، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الاقتصادي، والتنافس مع قوى دولية أخرى.

 

وهكذا يبقى لبنان، مرة أخرى، أمام امتحان قديم يتجدد في كل مرحلة: هل يريد أن يكون وطناً يصنع موقعه بنفسه، أم ساحةً ينتظر أن يقرر الآخرون مصيرها ؟

شارك