
اتفاقية لحفظ ماء الوجه
بقلم : أمين السكافي
الهرطقة السياسية هي أقل ما يمكن أن يقال في توصيف ما يُحكى عن اتفاق جرى بوساطة عربية وأميركية وإيرانية لتثبيت معادلة هزيلة وفقيرة إلى الحد الذي يثير الاستغراب؛ معادلة تقوم على مقايضة بيروت وضاحيتها بمستوطنات شمال فلسطين المحتلة، وكأن أوطان الشعوب وأمنها وسيادتها يمكن أن تتحول إلى أرقام في دفتر مقايضات أو إلى بنود في تسوية مؤقتة هدفها الوحيد حفظ ماء الوجه لجميع الأطراف المعنية.
وإذا كان هذا الاتفاق المزعوم يعكس شيئًا، فإنه يعكس أولًا حجم الضياع الذي تعيشه السلطة اللبنانية التي تبدو عاجزة عن تحديد نقطة البداية في السياسة، فضلًا عن معرفة الاتجاه الذي يمكن أن تنتهي إليه. لقد انتهى، إلى حد بعيد، زمن السياسيين المخضرمين الذين أتقنوا فنون السياسة والدبلوماسية وإدارة الأزمات، مع بعض الاستثناءات القليلة التي ما زالت تحاول الحفاظ على ما تبقى من تقاليد العمل السياسي الرصين. أما اليوم، فقد بات اللبنانيون ينظرون بحنين إلى أجيال سابقة من رجال الدولة الذين عرفوا كيف يديرون الصراعات ويحمون المصالح الوطنية، بعدما أصبحوا يشاهدون هذا الكم الهائل من التخبط والتشتت وانعدام الرؤية في أداء السلطة الحالية.
والأكثر غرابة أن هذا الضياع لا يمنع استمرار الإصرار على مبدأ التفاوض مع العدو الإسرائيلي، رغم أن الوقائع اليومية تنسف أي منطق يمكن أن يبرر هذا المسار. فالكيان الإسرائيلي لا يكتفي بمواصلة القتل والتدمير والاعتداء على الأرض اللبنانية، بل يعلن صباحًا ومساءً، وبكل وضوح، أنه يريد إخضاع لبنان وإضعافه، وأن لديه مشاريع وخططًا توسعية لا تخفي أطماعها. ومع ذلك، ما زال هناك من يراهن على طاولة تفاوض لا يبدو أنها تنتج سوى المزيد من الدماء اللبنانية، وخصوصًا في الجنوب الذي يدفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره وأرواح أبنائه.
ومن هنا نعود إلى ما يمكن وصفه باتفاق المهزلة؛ الاتفاق الذي أراد البعض تسويقه على قاعدة وضع بيروت وضاحيتها في كفة، ومستوطني شمال فلسطين في كفة أخرى، وكأن ما يجري في بقية الأراضي اللبنانية لا يستحق الالتفات إليه. وكأن استباحة قرى الجنوب وأراضيه، واستهداف البقاع ومناطقه، وتدمير المنازل والبنى التحتية، وقتل المدنيين وترويعهم، كلها تفاصيل ثانوية يمكن تجاوزها في سبيل الوصول إلى تفاهم مؤقت أو هدنة هشة.
إن هذه المقاربة لا تعني سوى التعامل مع جبل عامل وأهله باعتبارهم هامشًا في المعادلة الوطنية، فيما هم كانوا دائمًا في قلبها. ولذلك يبدو التاريخ وكأنه يعيد نفسه عبر صرخة مدوية أطلقها الإمام المغيب السيد موسى الصدر عندما قال: «لن نقبل أن يبتسم لبنان وأن يكون جنوبه متألماً». وهي عبارة تختصر اليوم، كما بالأمس، جوهر القضية الوطنية ومعنى العدالة بين أبناء الوطن الواحد.
نحن مع وقف إطلاق النار، لا لأننا نبحث عن استراحة سياسية، بل رحمة بالبشر والحجر والشجر، ورحمة بعشرات آلاف النازحين الذين أُجبروا على ترك منازلهم وقراهم تحت وطأة النار والخوف. لكن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون بأي ثمن، ولا وفق أي صيغة تُفصّل على قياس مصالح الآخرين أو حساباتهم.
إن الشرط واضح والهدف لا لبس فيه: العودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل الثامن من أكتوبر 2023، عندما كانت معادلة الردع قائمة على أسس متينة وقواعد اشتباك مفهومة للجميع. أما أي اتفاق آخر يحاول شرعنة الاعتداءات أو تكريس واقع جديد يقوم على التمييز بين منطقة لبنانية وأخرى، أو بين دم لبناني وآخر، فلن يكون سوى محاولة جديدة لحفظ ماء الوجه السياسي على حساب الكرامة الوطنية.
وفي مثل هذه القضايا المصيرية، لا قيمة لاتفاقات تولد من رحم الضعف أو التسويات المؤقتة، لأن الأوطان لا تُبنى بالمساومات، والسيادة لا تُجزّأ، والكرامة الوطنية لا تقبل أنصاف الحلول. فإما عودة كاملة إلى معادلة الردع التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب، وإما أن يذهب كل اتفاق ينتقص من حقوق لبنان وأمن أبنائه إلى مزبلة التاريخ .



