
الخديعة الكبرى
كتب رياض الفرطوسي
تستيقظ كل صباح على النغمة ذاتها التي أدمنتها الشاشات والمقاهي: “أوطاننا تفيض بالعباقرة، لكن المؤامرة السياسية والفساد الإداري يخنقان طاقات الشباب”. إنها مرثية مريحة، تمنح الجميع صك غفران جماعي، وتحول المجتمع بأكمله إلى ضحية بريئة تجلس على مقاعد الانتظار، ترقب هبوط حاكم عادل وحريص يمسك بيدها نحو حداثة مأمولة. لكن، ماذا لو كانت هذه الرواية مجرد تخدير ذاتي؟ ماذا لو تجرأنا على النظر في المرآة بلا مساحيق، وطرحنا السؤال المحرم الذي يهرب منه الجميع: هل نمتلك حقاً نخباً وكفاءات قادرة على القيادة، أم أننا نعيش في قحط معرفي حقيقي؟
المجتمعات التي عبرت نحو ضفاف التقدم والرفاهية لم تفعل ذلك بضربة حظ، بل لأنها امتلكت رافعة حقيقية تقود الرأي العام وتصنع القرار؛ امتلكت نخباً حية تجرأت على تفكيك بنية التخلف. في القرن الماضي، حين كانت أمريكا اللاتينية تترنح تحت وطأة الجهل والاستبداد، لم ينتظر كتابها معجزة سياسية، بل شمروا عن أقلامهم ليعيدوا صياغة الوعي الاجتماعي قبل السياسي. هكذا فعل الروائي الغواتيمالي ميغيل أستورياس في روايته الفذة “السيد الرئيس”، وحين تبعه غابرييل غارسيا ماركيز برائعته “خريف البطريرك”، وماريو فارغاس يوسا في “حفلة التيس”. هؤلاء العمالقة الذين نالوا جوائز نوبل لم يكتفوا بشتم السلطة، بل فككوا “النسق الثقافي” للمجتمع الذي يسمح بنشوء الطاغية، وشرّحوا كيف يتحول الناس إلى قطعان تساق بالتلقين والأوهام.
أما في واقعنا، فإن المشهد يبدو أقرب إلى الكوميديا السوداء، حيث ينطبق علينا الوصف الصادم للروائي السوري حنا مينه حين تحدث عن أشباه المثقفين وسماهم “اللبّاخين”، الذين تنحصر مهمتهم في طلاء الجدران الآيلة للسقوط وتملق الجمهور هرباً من قول الحقيقة. تأمل منصات الإعلام التي من المفترض أن تكون حارسة الوعي، ستجدها تحولت إلى أبواق تسويقية باهتة، تتلقى توجيهاتها في رسائل نصية قصيرة. حتى اللغة، الأداة الأولى للتعبير، تكسرت على ألسنة إعلاميين يعجزون عن قراءة خبر دون سقطات نحوية مخجلة، ولم ينقذهم سوى اللجوء إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ليرتدوا ثياب الفلاسفة والكتاب زيفاً، ظانين أن الآلة قد تمنحهم عمقاً يفتقدونه.
هذا الهزال لا يتوقف عند عتبات استوديوهات الأخبار، بل يمتد ليدخل الحرم الجامعي، لنواجه فائضاً في المتعلمين وشحة مرعبة في المثقفين الحقيقيين. فالحديث عن “العلماء والباحثين” في مشهدنا المحلي يذوب أمام غياب الإنتاج الفعلي والبحوث الرصينة والجوائز العالمية. وحين تلوح في الأفق أسماء عربية مبدعة حققت مجداً علمياً في الخارج، فإننا نتناسى في غمرة احتفالنا الاستعراضي أن هؤلاء ليسوا نتاج بيئتنا، بل هم ثمار شرعية للمنظومة الغربية التي وفرت لهم مناخ الحرية والبحث والتقدير، تماماً كما كان الروائي الروسي إيليا أهرنبورغ يشير في روايته “ذوبان الثلوج” إلى أن العقول تحتاج إلى مناخ حر لتنمو، وأن السمك لا يمكنه أبداً أن يسبح في الرمل.
الأوطان لا تبنى بالأماني وسوق التبريرات، والاعتراف بالمرض هو أولى خطوات الشفاء. التغيير الحقيقي في المجتمعات لم يبدأ يوماً من مقار الحكومات، بل بدأ حين تحركت النخب الحية لتفكيك الأوهام السائدة والمقدسات المزيفة. إن غياب هذه النخبة المستقلة، التي لا ترهن قلمها لحزب او تيار ، ولا تطلب رضا الجمهور، ولا تخشى سخطه، هو الثقب الأسود الذي يبتلع كل طاقة شابة قبل أن تولد. وبدون صدمة وعي شجاعة تعيد صياغة مفهوم المعرفة والثقافة، سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نلعن الظلام الذي تصنعه أيدينا، وننتظر معجزة لن تأتي.



