
ظلال على الرصيف العتيق
كانت خيوط الشمس الذهبية الآفلة تنسحب ببطء وهدوء من فوق الحجارة البازلتية السمراء للرصيف العتيق، تاركة وراءها ظلالاً طويلة ممتدة تتراقص مع نسيم المساء البارد. في تلك الزاوية المنسية من المدينة، جلس العجوز “أبو أحمد” على مقعده الخشبي المهترئ؛ ذلك المقعد الذي شهد معه تقلب الفصول وتعاقب السنين حتى بات جزءاً من ملامحه. كان يضع يديه المجعدتين بفعل الزمن فوق عصاه الأبنوسية، وعيناه الغائرتان تراقبان بدقة وتأمل السيل البشري المتدفق أمامه، والخطوات المتسارعة للمارة الذين يهرعون نحو بيوتهم مع هبوط غسق الليل.
بالنسبة لأبي أحمد، لم تكن تلك الوجوه مجرد عابرين؛ فقد كان يؤمن أن لكل وجه يمر أمامه حكاية مخبأة في تفاصيله، ولكل خطوة سر لا يعرفه أحد سواها. كان يقرأ ملامح القلق، الفرح، والتعب المرتسم على الجباه كمن يتصفح كتاباً عتيقاً مفتوحاً. يتذكر كيف كان الرصيف نفسه يعج بالحياة والضحكات في أيام شبابه الراحل، وكيف تغيرت ملامح المكان والناس، لكن الحجر البازلتي ظل صامداً يحفظ ذكريات الراحلين والآتين.
ومع اقتراب الظلمة التامة واشتداد نسمات الليل، اقترب من مقعده طفل صغير يبيع الياسمين، يحمل بين يديه النحيفتين سلة تفوح منها رائحة دمشقية أصيلة تعيد الروح. بالرغم من وعثاء يومه الطويل وتعب السير، كانت ابتسامة الصغير تشرق بنور بريء. وقف الطفل أمام العجوز، ومد يده حاملاً طوقاً أبيض من الياسمين الناصع، وأهداه لأبي أحمد دون مقابل، ثم ركض مبتعداً بخفة ليختفي بين الأزقة الضيقة الملتوية قبل أن يتمكن العجوز من شكره.
في تلك اللحظة بالذات، شعر العجوز بقلبه ينتفض؛ رفع طوق الياسمين إلى صدره واستنشق عبيره بعمق، فشعر وكأن جزءاً من شبابه المفقود قد عاد إليه في رائحة تلك الزهور. ابتسم العجوز في عتمة الليل، وأدرك أن الأمل والجمال في هذه الحياة يظهران دائماً من حيث لا نحتسب، ليعيدا الدفء إلى القلوب التي أضناها الانتظار الطويل على أرصفة الذكريات والزمن العابر.



