
أوراق الخريف المنسية..
- كانت أنامل العجوز “أمينة” المرتجفة تداعب برفق وهدوء حواف الصندوق الخشبي الصغير القابع في زاوية خزانتها العتيقة، ذلك الصندوق المطعم بالصدف الباهت الذي تفوح من ثناياه رائحة أوراق الورد المجففة وعبق السنين الراحلة. فتحت القفل الحديدي الصدئ بحذر شديد كمن يفتح بوابة زمنية سرية، لتجد بالداخل حزمة من الرسائل الورقية القديمة الملفوفة بشريط حريري أزرق قد تآكلت أطرافه بفعل الرطوبة وعاقب الفصول العابرة. التقطت الرسالة الأولى، وكانت خطوط الحبر الأسود قد بدأت تبهت وتتداخل، لكن الكلمات المكتوبة بخط يد زوجها الراحل منذ عقود كانت لا تزال تنبض بالحياة والوعود الحية في قلبها المفجوع.
قرأت السطور بصوت خافت متهدج، واستحضرت مع كل كلمة نبرة صوته الدافئة وضحكاته التي كانت تملأ أركان البيت القديم قبل أن تسرقه يد المنون وتتركه وحيداً يصارع وحشة الأيام وصخب العزلة. ومع هبوط الظلام التدريجي ودخول ضوء القمر الفضي من نافذتها الخشبية المشرعة، ضمت الرسائل إلى صدرها بعمق، واغتنمت تلك اللحظة لتدرك أن الأشخاص يرحلون وتتغير ملامح الأماكن وتتبدل الأحوال، لكن الكلمات المكتوبة بصدق تظل صامدة وعصية على النسيان، لتكون بمثابة الجسر الروحي الوحيد الباقي الذي يربطها بالماضي الجميل ويمنحها القوة والصمود لمواجهة ما تبقى من رحلتها على أرصفة الحياة والانتظار الطويل.



