
“صانع النحاس وبائع الحرير”.
- في سوق “المهندسين” القديم، حيث تتداخل أصوات المطارق على النحاس بعبق التاريخ، كان يجلس العم “أبو محمود”، وهو شيخ وقور قضى خمسين عاماً من عمره في تدوير وتشكيل الأواني النحاسية. لم يكن أجر أبو محمود كبيراً، لكن قناعته كانت تملأ دكانه الصغير بالرضا. وفي الجهة المقابلة من الزقاق، كان يقع متجر “الخواجة أسامة”، وهو تاجر حرير شاب، معروف بذكائه التجاري الواسع وسعيه الدائم وراء الربح السريع، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الجودة.
في أحد أيام الصيف الحارة، اضطر أبو محمود لإغلاق دكانه على عجل لزيارة قريب له في المشفى. ومن شدة عجلته، نسي حقيبة جلدية صغيرة قديمة على المقعد الخشبي أمام الدكان. لمح أسامة التاجر الشاب الحقيبة، فدفعه الفضول لأخذها قبل أن يراها المارة. وعندما فتحها في متجره، تفاجأ بوجود مبلغ مالي كبير، إلى جانب ورقة قديمة مكتوب عليها: “أمانة المسجد الكبير.. لترميم بيوت الفقراء”.
وقع أسامة في حيرة شديدة؛ فالمبلغ كفيل بتوسيع تجارته وشراء شحنة حرير فاخرة من الخارج، والورقة تثبت أن المال ليس ملكاً شخصياً لأبو محمود، ما يعني أن غيابه لن يضره مباشرة. صارع الشاب رغبته طوال الليل، وقرر في الصباح أن يحتفظ بالمال بذريعة أنه “رزق ساقه القدر إليه”.
حين عاد أبو محمود في اليوم التالي، بدأ يبحث عن حقيبته بملامح يكسوها الهم والدموع، ليس حزناً على ماله، بل خوفاً من ضياع أمانة الناس والفقراء التي اؤتمن عليها. وقف أمام دكانه والناس يواسونه، فخرج أسامة من متجره وراقب المشهد ببرود. لكن، في تلك اللحظة بالذات، دخلت امرأة عجوز مكسورة الجناح، تحمل طفلاً صغيراً، وقالت للعم أبو محمود: “يا أبا محمود، جئت لأشكرك، فالطبيب الذي أرسلتنا إليه بالمال أمس أخبرنا أن حفيدت أسامة (التاجر الشاب) قد نجا من حمى قاتلة بفضل الجراحة الطارئة التي تكفلت أنت بمصاريفها من صندوق الأمانة الأسبوع الماضي!”.
سقطت الكلمات كالصاعقة على رأس أسامة. التفت يميناً وشمالاً واكتشف أن الطفل الذي أنقذته أمانة هذا الشيخ لم يكن سوى ابن أخته الصغير الذي أصيب بالحمى بالأمس وكانوا يبحثون عن مشفى يقبله. تذكر أسامة الحقيبة التي يخفيها في درجه، وشعر بخجل شديد يمزق روحه. لقد كان يسرق المال الذي أنقذ عائلته دون أن يدري.
ركض أسامة إلى متجره، وأحضر الحقيبة، وجثا على ركبتيه أمام أبو محمود باكياً، معترفاً بذنبه وطالباً الصفح. ابتسم الشيخ الوقور مسامحاً إياه، ووضع يده على كتفه قائلاً: “يا بني، الأمانة ليست مجرد مال نحفظه، بل هي سياج يحمينا جميعاً. من حفظ أمانة الناس، حفظ الله أهله وبيته”. ومنذ ذلك اليوم، تغيرت تجارة أسامة، وأصبح يلقب بـ “التاجر الأمين” بعد أن تعلم الدرس الأهم في حياته.
- العبرة من القصة:
الصنيع الطيب والأمانة يدوران في ديرة الزمان ليعودا إلى صاحبهما، والشرور التي نضمرها للآخرين قد تصيب أقرب الناس إلينا دون أن نشعر. الأمانة تصون المجتمع، والخيانة تهدم جدران الأمان فيه.



