الاقتصاد غير المرئي للنساء في المجتمعات المنهكة: حين تُدير امرأةٌ انهياراً بصمت

 

 

أفكّر في تلك النساء اللواتي أعرفهن أو سمعت عنهن في لبنان هذه الأيام. إحداهن تبيع المونة التي تصنعها في المنزل عبر «واتساب» كي تدفع فاتورة الدواء، وأخرى تُدير ميزانية منزلٍ كامل بما يعادل أقل من عشرة دولارات في الأسبوع، وتُطعم أربعة أفراد، وتحافظ على كرامتهم، وتمنع انهيارهم النفسي، كل ذلك من دون أن يسألها أحد: كيف حالكِ أنتِ؟

 

وثالثة تعتني بأمّ مريضة، وأطفال صغار، وزوج عاطل عن العمل، وتفعل ذلك كله وكأنه أمر طبيعي، وكأنه لا يستنزف شيئاً من روحها. وهناك الكثير من النساء اللواتي يعملن في المنازل والمزارع ويتعرضن للاستغلال، فيما يُنظر إلى ما يقمن به على أنه واجب يومي لا يستحق التوقف عنده.

 

إنه الاقتصاد الذي لا يظهر في أي جدول إحصائي، وهذا هو ما يجب أن نسلط الضوء عليه.

 

 

 

الآلام والآهات التي لا تُحصيها الأرقام… والأزمة لا تساوي بين الجميع

 

 

 

حين تصدر تقارير اقتصادية عن لبنان أو سوريا أو اليمن، تتحدث عن معدلات البطالة وانهيار العملة والناتج المحلي، لكنها لا تتحدث أبداً عن الساعات التي تقضيها امرأة في تدبير ما لا يمكن تدبيره، ولا عن العمل العاطفي الضخم الذي تُنجزه يومياً كي يبقى البيت قائماً حين يتداعى كل شيء من حوله.

 

تقول منظمة العمل الدولية إن النساء يُنجزن ثلاثة أضعاف العمل غير المأجور مقارنة بالرجال، لكن هذه النسبة تبدو أعلى بكثير في منطقتنا، وترتفع أكثر في أوقات الأزمات، لأن الدولة حين تنهار يتمدد دور المرأة ليملأ الفراغ كله. فتتحول إلى وزارة للصحة والتعليم والاقتصاد والدعم النفسي، كل ذلك داخل أربعة جدران، بلا راتب، ولا تأمين، ولا حتى كلمة شكر.

 

من السهل أن نقول إن الجميع يعاني، لكن ذلك ليس دقيقاً. فالأزمة الاقتصادية في لبنان، على سبيل المثال، لم تقع على الجميع بالتساوي، لأن المرأة دفعت ثمناً مضاعفاً: ثمن انهيار الخدمات الذي يقع عبؤه على الرعاية المنزلية أولاً، وثمن العنف المنزلي الذي ارتفع بصورة مقلقة في فترات الإغلاق والضائقة الاقتصادية، وثمن الوصمة التي تجعل عملها غير الرسمي يُنظر إليه دائماً بوصفه «مساعدة» لا عملاً حقيقياً.

 

والمفارقة المؤلمة أن المرأة كلما كانت أقل حظاً اقتصادياً، حملت أعباءً أكبر. فالنساء في المخيمات، وفي الأرياف المنسية، وفي الأحياء الفقيرة في بيروت أو بغداد أو صنعاء، هن من يتحملن الثقل الأكبر، وهن في الوقت ذاته الأقل وصولاً إلى أي شكل من أشكال الحماية أو الاعتراف.

 

 

 

لماذا يبقى هذا كله خفياً؟

 

 

 

إن تهميش عمل المرأة لا ينشأ من فراغ، بل يستند إلى تراكم طويل من الأفكار الاجتماعية والفلسفية التي ساهمت، بدرجات متفاوتة، في جعل هذا العمل يبدو وكأنه جزء من طبيعتها، لا جهداً يستحق الاعتراف. فقد نظر بعض الفلاسفة الكبار في التاريخ إلى المرأة بوصفها كائناً تابعاً للرجل أو أقل قدرة على المشاركة في المجال العام. فرأى أرسطو أن للرجل دور القيادة وللمرأة دور الطاعة داخل الأسرة، بينما اعتبر جان جاك روسو أن الوظيفة الأساسية للمرأة هي خدمة الأسرة وتربية الأبناء وإعداد المواطن الذكر للحياة العامة.

 

وفي الفلسفة الحديثة، ورغم إسهاماتها الكبرى في فهم الحرية والعقل، بقيت بعض التيارات تنظر إلى العمل المنزلي والرعائي باعتباره خارج دائرة الإنتاج الحقيقي. وهكذا جرى الفصل بين ما يُعد اقتصاداً وما يُعد شأناً خاصاً داخل المنزل، فاختفت ملايين الساعات من العمل النسائي من الحسابات الرسمية ومن الوعي العام معاً.

 

إن المشكلة لا تكمن في آراء فلاسفة بعينهم بقدر ما تكمن في الأثر التاريخي الذي تركته هذه التصورات في الثقافة والمؤسسات والقوانين. فحين يُنظر إلى الرعاية باعتبارها واجباً طبيعياً للمرأة، يصبح من السهل تجاهل قيمتها الاقتصادية والاجتماعية، وحين يُختزل دورها في التضحية والصبر، يتحول الاستغلال إلى فضيلة، ويصبح الإنهاك اليومي جزءاً من صورة المرأة المثالية.

 

وهنا نقول : ليس لأن أحداً لم يرَ عملها، بل لأن إخفاءه مريح لمنظومة كاملة. فعندما لا نُسمّي هذا العمل عملاً، لا نلتزم بحقوقه، وحين نعتبره «طبيعة المرأة»، لا نضطر إلى إعادة توزيع أعبائه، وعندما ندرجه في خانة «الحب والواجب»، فإننا نُعفي الدولة والمجتمع والأسرة من أي مسؤولية تجاهه.

 

إن مشروع الأمة الديمقراطية، الذي ينطلق من إيمان عميق بأن لا تحرر مجتمعي حقيقي من دون تحرر المرأة، يرى أن هذا الإخفاء ليس مجرد إهمال إحصائي، بل هو قرار سياسي يُعيد إنتاج التراتبية يوماً بعد يوم. فالمرأة لا تُستغل رغم الأزمة فحسب، بل كثيراً ما تُستغل بسببها وعبرها.

 

 

 

ماذا يعني أن نُغيّر هذا؟

 

 

 

لا أتحدث هنا عن حلول تقنية جاهزة، بل عن تحولات أعمق وأصعب ، أولها أن نبدأ بالتسمية، وأن نقول بصوت واضح: ما تفعله هذه المرأة هو عمل، وله قيمة اقتصادية حقيقية يمكن قياسها. فالتقديرات تشير إلى أن العمل غير المأجور الذي تؤديه النساء، لو احتُسب ضمن الناتج المحلي، لغيّر الصورة الاقتصادية لكثير من دول المنطقة تغييراً جذرياً.

 

وثانيها أن يُترجم هذا الاعتراف إلى سياسات عملية: تأمين اجتماعي لمن تتفرغ للرعاية، وحقوق قانونية تراعي قيمة العمل المنزلي في حالات الانفصال، ودعم للتعاونيات والشبكات النسوية غير الرسمية التي تُشكّل، في الواقع، الاقتصاد الحقيقي في كثير من المجتمعات المنهكة، ورقماً مؤثراً في الاقتصاد القومي.

 

وثالثها، وهو ربما الأصعب، أن نُراجع ثقافة كاملة تُطبّع استنزاف المرأة وتُقدّمه بوصفه فضيلة، وأن نُعلّم الأجيال أن الرعاية مسؤولية مجتمعية لا طبيعة أنثوية، وأن توزيعها العادل ليس مطلباً نسوياً ضيقاً، بل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع صحي.

 

ولهذا فإن إعادة الاعتبار للعمل غير المرئي للنساء ليست مجرد قضية اقتصادية أو اجتماعية، بل هي أيضاً مراجعة فكرية عميقة لتراث طويل من التصورات التي فصلت بين الإنتاج والرعاية، وبين المجال العام الذي يُمنح الاعتراف والمجال الخاص الذي تُدفن فيه جهود النساء بصمت.

 

 

 

في الختام ما الذي نعترف به حقاً؟

 

 

 

بيّنت الفيلسوفة سيمون دي بوفوار أن المرأة لم تُولد في موقع التبعية، بل جرى تشكيل هذا الموقع اجتماعياً وثقافياً عبر التاريخ، وهو ما يؤكد أن استغلال المرأة ليس قدراً طبيعياً، بل نتيجة بنى اجتماعية واقتصادية قابلة للتغيير.

 

لأن المرأة، حين تنهض قبل الفجر في بيت منهك داخل مدينة منهكة، وتبدأ يومها الطويل الذي لن ينتهي إلا عندما ينام الجميع، لا تفعل ذلك لأنها لا تشعر بالتعب، بل لأنها تعلم أن لا أحد غيرها سيفعل ما يجب فعله، ولأن المنظومة كلها بُنيت على يقين بأنها ستقوم بهذا الدور.

 

السؤال الذي يجب أن يؤرقنا ليس: هل يمكننا الاعتراف بهذا العمل؟

 

بل: ما الذي نقوله عن أنفسنا إن لم نفعل؟

 

 

 

 

سوسن شومان

 

 

الأستاذة سوسن شومان ناشطة حقوقية ومنسقة لغة فرنسية إضافة إلى أنها ناطقة باسم مبادرة نون ومدربة وعي قانوني مع جمعية عدل بلا حدود.

 

شارك