أوراق التوت وبئر الحقيقة”.

 

  • في قرية وادعة تتربع على كتف الجبل، تحيط بها أشجار التوت البري العتيقة، كان يعيش الشيخ “أبو حديد”، وهو رجل ثمانيني عُرف ببأسه الشديد وأمانته الكبيرة. كان أبو حديد يمتلك في أرضه بئراً قديماً محفوراً في الصخر الصافي، يعود لأجداده. ورغم جفاف العديد من الآبار المجاورة بسبب تقلبات الطقس الحارة، كان بئر أبو حديد يفيض دائماً بمياه عذبة باردة. لم يكن الشيخ يبيع قطرة ماء واحدة؛ بل كان يشرع أبواب أرضه لكل عابر سبيل، ولكل مزارع جفت أرضه، كارهاً المال، ومردداً دائماً: “الماء هبة السماء، ومن حبس هبة الله حُبست عنه البركة”.
في أسفل الوادي، كان يعيش “منذر”، وهو شاب طموح، درس إدارة الأعمال والتجارة الحديثة. كان منذر يرى في أسلوب الشيخ أبو صالح نوعاً من السذاجة الاقتصادية المنسية. أنشأ منذر محطة ضخ حديثة تعتمد على سحب المياه الجوفية بواسطة مضخات ديزل ضخمة، وقام بتعبئتها في عبوات بلاستيكية براقة، وبيعها بأسعار مرتفعة للأهالي والقرى المجاورة مستغلاً حاجتهم. كان منذر يمر يومياً بأرض الشيخ، وينظر إلى الطوابير البشرية التي ترتوي بالمجان ويقول بتهكم: “يا عماه، زمن العفوية والصدقات قد ولى! خوارزميات السوق تقول إن من يملك شريان الماء يملك رقاب العباد وثرواتهم، وأنت تضيع ثروة طائلة من أجل دعوات لا تشتري خبزاً في عصرنا الجاف!”.
مرت الأشهر، وضربت المنطقة هذا الصيف موجة جفاف قياسية غير مسبوقة، تزامنت مع أزمة طاقة خانقة أدت إلى انقطاع الكهرباء وشلل إمدادات الوقود والمحروقات. في لحظات طارئة، توقفت مضخات منذر العملاقة عن الدوران، وجفت عبواته البلاستيكية المفلترة، ووجد نفسه عاجزاً عن الوفاء بعهوده للتجار، وتراكمت الخسائر باللون الأحمر في دفاتره الحديثة، واجتاح العطش بيته قبل بيوت الآخرين.
وفي ذروة تلك الأزمة الخانقة، كان بئر الشيخ أبو حديد الصخري لا يزال ينبض بالحياة. لم يكن يحتاج لكمبيوتري أو وقود؛ بل كان يعتمد على “الدلو والحبل” وصبر السواعد المخلصة. تضاعفت طوابير الأهالي والمارة أمام أرضه، وكان الشيخ يقف متكئاً على عصاه، يبتسم ويمسح العرق عن جبينه وهو يرى الناس يرتوون بسلام وأمان.
وقف منذر بعيداً، مكسور القامة ومحرجاً، والظمأ ينال من طفله الصغير الذي يحمله بين يديه. لمحه الشيخ أبو حديد، فناداه برفق قائلاً: “اقترب يا منذر، البئر بئر الله، والماء للجميع”. تقدم الشاب بخطى متعثرة، وملأ دلوه، وسقى طفله حتى ارتوى. التفت الشاب وعيناه تملأهما دموع الندم وقال: “لقد جفت مضخاتي وخسرت حساباتي يا عماه.. الأرقام خذلتني أمام عطش حقيقي”. وضع الشيخ يده الخشنة على كتف منذر وقال بحكمة الأجداد الدافئة: “يا بني، الحسابات الجافة تبني ثروة مؤقتة من حاجة الناس، لكن النوايا الطيبة والامانة الصادقة تبنيان ملاذاً آمناً لا تملكه الأزمات. من حفظ أمانة الله في الرخاء، حفظه الله وسقى أرضه في الشدة”. خرج منذر من الأرض بعد أن تعلم الدرس الأهم؛ وهو أن المشاريع التي تفتقر لروح الرحمة تموت عند أول جفاف، وأن أصالة العطاء هي الثروة الوحيدة التي لا تصدأ.
  • العبرة من القصة:
    التقنيات والهياكل القائمة على استغلال الأزمات والمضاربة الجافة قد تنهار في ثوانٍ معدودة، لكن الأمانة، وعادات التكافل الإنساني، والمشاريع المبنية على النزاهة ورحمة الناس تظل الحصن الحقيقي والدرع المتين للإنسان عندما تعصف به تقلبات الحياة والأسواق.

شارك