
لا تُفشلوا فرصة السلام الأخيرة
كتب سعيد فارس السعيد
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، تبرز أمام الشعوب فرص نادرة قد لا تتكرر كثيرًا. واليوم، ومع الحديث المتزايد عن تفاهمات واتفاقات أمريكية–إيرانية يمكن أن تسهم في تخفيف حدة التوتر في الشرق الأوسط، تقف المنطقة أمام اختبار حقيقي بين منطق السلام ومنطق الصراع، وبين إرادة التسوية وإرادة استمرار الحروب.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة خلال العقود الماضية. حروب مدمرة، ونزاعات مفتوحة، وتهجير، واستنزاف اقتصادي واجتماعي هائل، فيما بقي الاستقرار هدفًا مؤجلًا.
ولذلك فإن أي مسار جاد نحو التهدئة يستحق الدعم والحماية، لا التعطيل والإفشال.
ومن الطبيعي أن تبرز قوى وجماعات متشددة، داخل إسرائيل أو خارجها، تنظر بعين الريبة إلى أي اتفاق يمكن أن يغيّر قواعد الصراع التي اعتادت الاستثمار فيها سياسيًا أو أيديولوجيًا أو أمنيًا.
فالتاريخ يعلمنا أن دعاة الحروب يشعرون بالقلق كلما اقتربت فرص التسوية، لأن السلام يهدد النفوذ والمكاسب التي راكموها في ظل الأزمات المستمرة.
ومن هنا تبرز ضرورة التحذير من أي محاولات قد تستهدف عرقلة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم أو الاتفاق الأمريكي–الإيراني عبر التصعيد السياسي أو الإعلامي أو الأمني.
فإشعال الأزمات أو توسيع بؤر التوتر لن يخدم سوى من يؤمن بأن المنطقة يجب أن تبقى رهينة الخوف والعداء وعدم الاستقرار.
وبعيدًا عن أي منطق ديني أو طائفي، فإن أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية لهذا الاتفاق يتمثل في أنه قد يساهم في إخراج أحد أهم مكونات الأمة الإسلامية، ومعه القوى المنضوية ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، من دائرة الصراع المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو على الأقل نقل هذا الصراع من ساحات المواجهة العسكرية إلى المجال السياسي والدبلوماسي.
إن أهمية هذا التحول لا تكمن في انتصار طرف على آخر، بل في تخفيف حالة الاستقطاب الحاد التي سادت المنطقة لعقود طويلة.
فالحروب المتواصلة لم تنتج حلولًا دائمة، بل راكمت الخسائر والآلام وأعاقت التنمية والاستقرار.
كما أن واقع المنطقة خلال العقود الماضية أظهر أن العديد من الدول والمجتمعات الإسلامية الأخرى بقيت خارج دائرة المواجهة المباشرة، تراقب من بعيد ما يجري من صراعات وحروب بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو بين الولايات المتحدة وبعض القوى والدول الإسلامية.
ولذلك فإن أي فرصة تؤدي إلى تقليص رقعة المواجهة وإحلال الحوار محل الصدام العسكري تمثل مصلحة إقليمية عامة تتجاوز مصالح الأطراف المباشرة.
وفي هذا السياق، فإن الجهات المستفيدة من استمرار الحروب والتوترات تبقى، من الناحية السياسية، الأكثر خشية من نجاح أي تسوية كبرى.
ولذلك فإن السؤال الهام و المشروع بهذه المرحلة ،
عمن يستفيد من تعطيل مسارات السلام، ومن يخسر إذا نجحت جهود التهدئة والاستقرار. ؟؟!
غير أن المسؤولية عن أي حادثة أمنية أو تصعيد تبقى مسألة تتطلب أدلة ووقائع وتحقيقات موثقة، ولا يمكن أن تُبنى على الافتراضات وحدها.
إن نجاح أي تفاهم أمريكي–إيراني لن يكون انتصارًا لطرف على حساب طرف آخر، بل فرصة لتخفيض مستوى المخاطر التي تهدد الجميع.
أما محاولات إفشاله نتيجة أعمال أمنية استفزازية أو سياسات متشددة،
فإن ذلك يعني عودة المنطقة إلى دوامة التصعيد وعدم اليقين.
وعندئذ لن يكون هناك رابح حقيقي.
الخاسر الأول سيكون شعوب المنطقة التي تتطلع إلى الأمن والتنمية والاستقرار بعد سنوات طويلة من المعاناة.
والخاسر سيكون كل أسرة تبحث عن مستقبل أفضل لأبنائها بعيدًا عن الحروب والصراعات.
كما أن الشعب اليهودي في فلسطين لن يكون بمنأى عن هذه الخسارة، لأن الأمن المستدام لا يتحقق باستمرار المواجهة، بل بإيجاد بيئة إقليمية أكثر استقرارًا وعدالة وأقل توترًا.
فالحروب عندما تندلع لا تميز بين شعب من الشعوب، والخوف وعدم الاستقرار يطالان الجميع.
إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق جميع الأطراف الإقليمية والدولية لحماية أي فرصة حقيقية للسلام، ومنع المتطرفين من مصادرة مستقبل المنطقة وإعادة إنتاج الأزمات ذاتها التي استنزفت شعوبها لعقود طويلة.
لقد تعبت شعوب الشرق الأوسط من الحروب، وحان الوقت لكي ينتصر صوت العقل على أصوات التطرف، وصوت التسوية على دعوات التصعيد، وصوت المستقبل على رهانات الماضي.
فإذا أُضيعت هذه الفرصة، فلن يكون الخاسر طرفًا واحدًا، بل الجميع دون استثناء.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


