
من أين تأتي ثقة الفارغين
كتب رياض الفرطوسي
في إحدى الملاحظات التي تركها الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل، يقول إن الإنسان لا يصبح خطيراً عندما يجهل، بل عندما يجهل ويعتقد أنه يعلم. بين الجهل والثقة المفرطة تنشأ واحدة من أكثر الظواهر إرباكاً في الحياة الإنسانية: ذلك الشخص الذي لا يملك ما يبرر يقينه، ومع ذلك يتحدث كما لو أنه يمتلك الحقيقة كلها.
منذ العصور القديمة لاحظ سقراط أن أول خطوة نحو الحكمة هي إدراك حدود المعرفة. كان الرجل يجوب شوارع أثينا باحثاً عن أكثر الناس علماً، ليكتشف أن كثيرين يعرفون أقل مما يظنون. وبعد أكثر من ألفي عام سيصل علماء النفس إلى استنتاج قريب حين وصف الباحثان ديفيد دانينغ وجستن كروغر ظاهرة مفادها أن محدودي الكفاءة غالباً ما يبالغون في تقدير قدراتهم، لأن الأدوات العقلية اللازمة لتقييم الأداء هي نفسها الأدوات التي يفتقرون إليها.
لكن المسألة لا تتعلق بالذكاء وحده. فهناك أشخاص يتمتعون بقدرات عقلية جيدة، ومع ذلك يبنون حياتهم فوق صورة متخيلة عن أنفسهم. ما يهمهم ليس ما هم عليه فعلاً، بل ما يريدون أن يراه الآخرون. ولهذا تبدو حياتهم أشبه بمشروع علاقات عامة دائم، لا رحلة نمو أو معرفة.
أريك فروم رأى أن الإنسان المعاصر يعيش أحياناً حالة اغتراب عن ذاته الحقيقية. يصبح الفرد منشغلاً بصناعة صورة قابلة للبيع أكثر من انشغاله بفهم نفسه. ومع الزمن تتحول الصورة إلى سجن. يحتاج صاحبها إلى صيانتها باستمرار، وإلى جمهور يصفق لها، وإلى خصوم يقارن نفسه بهم، وإلى انتصارات صغيرة ومتكررة تمنع الجدار من التشقق.
في كتابه “مجتمع الاستعراض” وصف المفكر الفرنسي غي ديبور عالماً تتحول فيه المظاهر إلى بديل عن الواقع. لم يكن يتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تكن قد ظهرت بعد، لكنه كأنه كان يتنبأ بها. ففي هذا العالم لا يعود السؤال: من أنت؟ بل: كيف تبدو؟ ولا يصبح الإنجاز مهماً بقدر أهمية عرضه وتسويقه.
هنا تتولد مفارقة غريبة. كلما ازداد اعتماد الإنسان على إعجاب الآخرين، ازدادت هشاشته الداخلية. الثقة الحقيقية تنبع من علاقة مستقرة مع الذات، أما الثقة التي تحتاج إلى جمهور دائم فهي أشبه بمصباح يعمل على بطارية توشك على النفاد. لذلك نرى بعض الأشخاص يطاردون الاعتراف الخارجي بلا توقف. ليس لأنهم أقوياء، بل لأنهم عاجزون عن العيش طويلاً من دونه.
الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد كان يرى أن أخطر أنواع اليأس هو اليأس الذي لا يعترف بنفسه. الإنسان قد يقضي سنوات طويلة هارباً من مواجهة حقيقة ما يشعر به. يملأ حياته بالضجيج والإنجازات والصراعات والخصومات، لا لأنه يحبها بالضرورة، بل لأنها تمنحه فرصة لتجنب السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما أبقى وحدي مع نفسي؟
لهذا لا تكون المشكلة دائماً في الشر أو الخبث أو المؤامرة كما نحب أن نتخيل. كثير من السلوكيات المؤذية تنشأ من هشاشة بشرية لم يتم الاعتراف بها. بعض الناس يؤذون الآخرين لأنهم لا يحتملون رؤية ما يذكرهم بنواقصهم. وبعضهم يحول العلاقات إلى ساحات نفوذ لأنهم عاجزون عن بناء قيمة داخلية مستقلة عن السيطرة.
وقد تنبه ابن خلدون إلى جانب قريب من ذلك حين لاحظ أن التفاخر المفرط كثيراً ما يظهر في البيئات التي تفتقر إلى الإنجاز الحقيقي. فحين تضعف الحقائق ترتفع الأصوات. وحين يقل الرصيد الواقعي يزداد الاستثمار في الرموز والشعارات والصور.
أما الشخصية المتوازنة فليست تلك التي ترى نفسها عظيمة ولا تلك التي تحتقر نفسها. إنها الشخصية التي لا تحتاج إلى المبالغة في أي اتجاه. تعرف نقاط قوتها دون عبادة لها، وتعرف عيوبها دون الانهيار أمامها. ولهذا تبدو أكثر هدوءاً وأقل استعراضاً. ليست منشغلة بإثبات وجودها كل لحظة، لأن وجودها لا يعتمد على التصفيق.
ربما لهذا السبب كان الحكماء أكثر ميلاً إلى التردد من أصحاب اليقين المطلق. فكل معرفة جديدة تكشف مساحة أوسع من المجهول. وكل اقتراب من الحقيقة يجعل الإنسان أكثر تواضعاً أمام تعقيد العالم.
أما الذين يملكون أجوبة جاهزة لكل شيء، ويعرفون كل شيء، ويحاكمون كل شيء بثقة لا تهتز، فغالباً ما يعيشون داخل غرفة مغلقة لا داخل أفق مفتوح. إنهم لا يرون العالم كما هو، بل كما يحتاجون إليه أن يكون لكي تبقى صورتهم عن أنفسهم سليمة.
ولعل المأساة الكبرى ليست أن يخدع الإنسان الآخرين، بل أن ينجح في خداع نفسه. عندها يصبح القناع أكثر واقعية من الوجه، وتتحول الشخصية إلى أداء متواصل، ويغدو الصمت مرعباً لأنه قد يكشف ما حاول صاحبه الهرب منه طوال عمره.
ليست الحكمة يقيناً أكبر، بل شكاً أكثر نضجاً. وليست القوة في أن يقتنع الإنسان بعظمته، بل في أن يواجه نفسه بلا أوهام. فالمرايا لا تصبح خطرة عندما تكذب، بل عندما نتوقف عن النظر إليها.



