
الاقتصاد السوري…اقتصاد الأقلية لا اقتصاد الوطن
#اقتصاد_الأقلية
لعلّ واحدة من أكبر الأكاذيب التي عشناها لعقود هي الحديث المتكرر عن “الاقتصاد الوطني”. فالحقيقة المؤلمة أن الاقتصاد السوري، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم يكن اقتصاداً وطنياً بالمعنى الحقيقي للكلمة،
بل كان اقتصاد أقليات متعاقبة تتغير أسماؤها وشعاراتها، بينما تبقى وظيفتها واحدة: احتكار الثروة وإعادة إنتاج السيطرة.
في الأربعينيات والخمسينيات احتكرت أقلية برجوازية تقليدية التجارة والصناعة والوكالات الكبرى.
كانت الثروة تدور داخل دائرة مغلقة من العائلات النافذة، بينما بقي معظم السوريين مجرد عمال ومزارعين وصغار حرفيين لا يملكون فرصة حقيقية للصعود الاقتصادي.
ثم جاءت مرحلة الانقلابات العسكرية والثورات والشعارات الكبرى.
قيل يومها إن عهد الاحتكار انتهى، وإن السلطة انتقلت إلى الشعب.
لكن ما حدث عملياً هو انتقال الاقتصاد من قبضة أقلية إلى قبضة أقلية أخرى. تغيرت الأسماء فقط. خرجت البرجوازية التقليدية من الواجهة، وحلّت مكانها بيروقراطية عسكرية وحزبية احتكرت القرار الاقتصادي باسم الدولة والثورة والاشتراكية.
بعد ذلك تشكل تحالف جديد بين السلطة السياسية وبعض أصحاب النفوذ الاقتصادي. فظهرت طبقة من المستفيدين والمحتكرين والسماسرة الذين حصلوا على الامتيازات والعقود والاحتكارات بفضل قربهم من مراكز القرار، لا بفضل الكفاءة أو الإبداع أو القدرة التنافسية.
ومع بداية الألفية الجديدة دخل الاقتصاد السوري مرحلة أكثر قسوة. لم تعد الاحتكارات مخفية أو متناثرة،
بل أصبحت مركزة بشكل غير مسبوق. قطاعات كاملة من الاقتصاد وُضعت عملياً تحت سيطرة عدد محدود جداً من الأشخاص والشبكات المرتبطة بالنفوذ السياسي والأمني.
وهكذا أصبح النجاح الاقتصادي لا يحتاج إلى فكرة عبقرية أو مشروع ناجح، بل يحتاج إلى مفتاح للدخول إلى دائرة النفوذ.
هنا يكمن الفرق الجوهري بين الاقتصاد المنتج والاقتصاد الاحتكاري.
في الدول المتقدمة توجد أيضاً طبقات ثرية وشركات عملاقة ومليارديرات. لكن هناك فارق أساسي:.. المواطن العادي يستطيع نظرياً أن يبدأ مشروعاً صغيراً، وأن يكبر تدريجياً عبر المعرفة والابتكار والعمل والاستثمار. قد ينجح وقد يفشل، لكن الطريق موجود.
أما في الاقتصاد الاحتكاري، فإن الطريق نفسه مغلق. السوق ليست ساحة منافسة بل ساحة نفوذ. والفرص لا توزع وفق الكفاءة بل وفق القرب من مراكز القوة. لذلك لا يظهر رجال أعمال من رحم الابتكار، بل من رحم الامتيازات… كأن تكون مستثمر حواجز و معابر أو أمير حرب كبيره يعيد تغيير نفسه مع كل سلطة جديدة
في الاقتصادات الحديثة تتحول المعرفة إلى ثروة.
أما في الاقتصاد السوري فقد تحولت العلاقة مع السلطة إلى ثروة.
في الاقتصادات الحديثة يصبح المخترع والمبرمج والباحث والمستثمر الناجح جزءاً من طبقة إنتاجية تقود النمو.
أما هنا فقد أصبح الطريق الأسرع إلى الثروة يمر عبر الاحتكار والوساطة والريع والامتيازات والحماية.
لهذا السبب لم تتشكل في سوريا طبقة وسطى قوية ومستقرة كما حدث في كثير من دول العالم.
فالطبقة الوسطى تحتاج إلى اقتصاد مفتوح يسمح بالتراكم التدريجي للثروة.
بينما الاقتصاد الاحتكاري لا ينتج طبقة وسطى، بل ينتج هرمين متباعدين: (( قلة تملك الكثير، وأكثرية تملك القليل.))
والنتيجة التي نراها اليوم ليست صدفة.
ملايين الشباب يحلمون بالهجرة لأنهم لا يرون مصعداً اجتماعياً حقيقياً داخل بلادهم.
أصحاب الكفاءات يبحثون عن فرص خارج الحدود لأن السوق المحلية لا تكافئ المعرفة بالقدر الذي تكافئ فيه النفوذ. والاقتصاد بأكمله أصبح عاجزاً عن تحويل طاقات المجتمع إلى ثروة وطنية مشتركة.
إن أزمة سوريا ليست فقط أزمة موارد أو عقوبات أو حرب، بل هي أيضاً أزمة بنية اقتصادية قامت لعقود على احتكار الفرص قبل احتكار الثروة.
فالأمم لا تنهض عندما تزداد ثروة الأقلية، بل عندما تصبح صناعة الثروة متاحة للأغلبية.
ولا يُبنى الاقتصاد الوطني عندما يملك الوطن حفنة من الأثرياء، بل عندما يمتلك ملايين المواطنين فرصة حقيقية ليصبحوا منتجين ومستثمرين وشركاء في النمو.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من يملك الاقتصاد؟
بل: متى يصبح الاقتصاد ملكاً للمجتمع كله؟
عندما يصبح النجاح الاقتصادي حقاً متاحاً لكل صاحب فكرة وعلم وجهد، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن اقتصاد وطني حقيقي، لا عن نسخة جديدة من اقتصاد الأقلية الذي حكم سوريا بأسماء وشعارات مختلفة طوال عقود…… و، يستمر
#شادي_احمد



