
النظافة الاقتصادية بين حرّ الصيف وعفن الصفقات
لماذا نحتاج إلى “نظافة اقتصادية” عاجلة؟
في فصل الصيف، يركض الجميع (ليس الجميع) خلف النظافة الشخصية؛ فالعرق مكروه، والاستحمام يصبح طقساً يومياً لتطهير الأجساد. هذا أمر ممتاز،
لكن المفارقة العجيبة تكمن في أن البعض يغسل جسده بالصابون سبع مرات في اليوم، بينما يده غارقة حتى المرفقين في “قذارة” الصفقات المشبوهة، والرشاوى، والاختلاسات التي تزكم الأنوف في كل الفصول!
إن النظافة الشخصية قد تكون مطلوبة بشكل أكبر في الصيف، لكن “النظافة الاقتصادية” هي حاجة وجودية ومطلبٌ إلزامي لا يعترف بالفصول الأربعة.
إذا كان إهمال النظافة الشخصية يؤذي شخصاً واحداً، فإن غياب النظافة الاقتصادية يدمّر شعوباً بأكملها:
السوق الملوث:
عندما يغيب الضمير، يتحول السوق إلى مستنقع للاحتكار والأغذية والأدوية المغشوشة التي تمتص دماء الفقراء.
الشركات المتسخة:
مؤسسات ترتدي “بدلات أنيقة” في تقاريرها، وتخفي خلف الكواليس التهرب الضريبي، وغسيل الأموال، ونهب حقوق العمال.
المحسوبية والوساطة: هي “الجراثيم” التي تقتل الكفاءة وتمنح الفرص لغير مستحقيها، لتصيب جسد الاقتصاد بالشلل.
من المضحك المبكي ( بس و الله ما في شي بيضحك) أن نرى رجال أعمال ومسؤولين يحرصون على الاستجمام والنقاء في أفخم المنتجعات، في حين تدار مشاريعهم بأساليب ملوثة. إن غسل الأموال القذرة في بنوك خارجية لا يجعلها نظيفة، بل يوسّع دائرة العفن.
الاقتصاد النظيف لا يعتمد على تلميع الواجهات، بل يقوم على ثلاثة أسس:
1- #الشفافية المطلقة: حسابات واضحة كالشمس بلا دفاتر مزدوجة.
2- #المنافسة الشريفة: ربح للأفضل والأكفأ، وليس للأكثر نفوذاً.
3- #العدالة التوزيعية: ألّا تتركز الثروات في أيدي قلة تمارس الاستعلاء، بينما تعيش الأغلبية تحت خط الحاجة.
تخيل مجتمعاً يرتدي فيه الجميع ملابس بيضاء ناصعة، لكنهم يعيشون فوق تلال من النفايات الاقتصادية؛ هذا هو التناقض الصارخ اليوم.
تنظيف البيئة الاستثمارية والمالية من الطفيليات والسرّاق ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الأول عن مستقبل الأجيال. نحن بحاجة إلى حملة نظافة وطنية شاملة للاقتصاد، تبدأ من أصغر دكان وتصل إلى أكبر مؤسسة في الدولة.
فيا أيها الحرصاء على غسل أيديكم بالمعقمات في هذا الصيف… طهروا ذممكم المالية أولاً، ونظفوا أعمالكم من كسب السحت، فـ “الرائحة الاقتصادية الكريهة” لا تحجبها كل عطور باريس!
شادي احمد



