هل يتحول لبنان إلى بوابة نجاح أم سقوط التفاهمات الأمريكية-الإيرانية؟

 

لم تكد المنطقة تلتقط أنفاسها بعد الإعلان عن تفاهمات أمريكية-إيرانية هدفت، بحسب ما أُعلن، إلى احتواء التصعيد وفتح نافذة جديدة للحلول السياسية، حتى عادت الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول مدى التزامها بما تعهدت به. فبين خطاب يدعو إلى التهدئة وممارسات ميدانية تعيد إشعال بؤر التوتر، تبدو واشنطن، في نظر منتقديها، وكأنها تنتهج سياسة مزدوجة تجعل من الاتفاقات أدوات مرحلية أكثر منها التزامات ثابتة. وترى طهران أن الضربات الأمريكية الأخيرة تمثل انتهاكا مباشرا للتفاهمات الموقعة، بينما يخشى مراقبون أن يؤدي هذا المسار إلى تقويض الثقة في أي مبادرات دبلوماسية مستقبلية، وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.

 

وفي ظل هذا المشهد، يبرز لبنان باعتباره أحد أبرز ميادين اختبار مصداقية تلك التفاهمات، بعدما تضمن الاتفاق، وفق ما أعلنته الأطراف المعنية، ترتيبات خاصة بوقف التصعيد على الجبهة اللبنانية، والانسحاب الصهيوني من الأراضي اللبنانية، وآليات لمراقبة وقف إطلاق النار ومعالجة الخروقات. غير أن استمرار العمليات الصهيونية وغياب أي ضغط أمريكي حاسم لإلزام الكيان الصهيوني بتنفيذ هذه الالتزامات، أعادا طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت واشنطن تملك الإرادة السياسية لفرض احترام الاتفاقات على حليفتها، أم أنها ستواصل الاكتفاء بإدارة الأزمة دون معالجة أسبابها، بما يهدد بنسف مسار التهدئة برمته ويدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

 

وفي هذا السياق، يصرح الباحث السياسي إياس الخطيب لـ”الأيام نيوز” بأن الضربات الأمريكية تعكس تناقضا واضحا بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية، موضحا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تواصل الحديث عن الدبلوماسية والحوار، لكنها لا تتردد في اللجوء إلى القوة العسكرية كلما تعارضت التطورات مع حساباتها السياسية. ويرى أن هذا التناقض يضعف بصورة كبيرة مصداقية الولايات المتحدة كشريك يمكن الوثوق بتعهداته، لأن العلاقات الدولية لا تبنى على التصريحات الإعلامية، وإنما على احترام الالتزامات والاتفاقات المبرمة بين الدول.

 

 

 

ويضيف الباحث السياسي إياس الخطيب أن سياسة الإدارة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة اتسمت بالاعتماد على الضغوط العسكرية والاقتصادية أكثر من اعتمادها على أدوات التفاوض، وهو ما جعل الكثير من القوى الدولية تنظر بحذر إلى أي تفاهمات تعقدها واشنطن. ويؤكد أن اللجوء المتكرر إلى القوة يبعث برسالة مفادها أن إدارة ترامب لا تزال تؤمن بفرض الوقائع العسكرية باعتبارها وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية، حتى وإن كان ذلك على حساب فرص الاستقرار أو نجاح المبادرات الدبلوماسية.

 

ويشير الباحث السياسي إياس الخطيب إلى أن الضربات الأمريكية جاءت خارج إطار ما نصت عليه التفاهمات الثنائية أو دون سند واضح من القانون، إذ إنها تثير تساؤلات جدية بشأن مدى احترام الولايات المتحدة لالتزاماتها القانونية. ويرى أن واشنطن كثيرا ما تقدم نفسها بوصفها حامية للنظام الدولي القائم على القواعد، لكنها في المقابل تمنح نفسها هامشا واسعا للتحرك العسكري عندما ترى أن مصالحها أو أولوياتها الاستراتيجية تقتضي ذلك، الأمر الذي يضعف الثقة في الخطاب الأمريكي بشأن احترام القانون الدولي.

 

ويؤكد الباحث السياسي إياس الخطيب أن هذا النهج لا ينعكس فقط على العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بل يمتد تأثيره إلى صورة واشنطن أمام حلفائها وخصومها على حد سواء، إذ تصبح الاتفاقات التي تبرمها عرضة للتشكيك إذا كان من الممكن تجاوزها بقرار سياسي أو عسكري مفاجئ. ويعتبر أن هذا السلوك يكرس حالة من عدم اليقين في العلاقات الدولية، ويجعل أي مسار تفاوضي مهددا بالانهيار بمجرد تغير الحسابات السياسية للإدارة الأمريكية.

 

ويرى الباحث السياسي إياس الخطيب أن التصعيد الأخير يحمل مؤشرات على عودة إدارة ترامب إلى ما يعرف بسياسة “حافة الهاوية”، وهي مقاربة تقوم على رفع مستوى التوتر والضغوط العسكرية بهدف انتزاع تنازلات سياسية من الطرف المقابل. إلا أن هذه السياسة تنطوي على مخاطر كبيرة، لأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة يصعب احتواء تداعياتها، خاصة في منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية بصورة معقدة.

 

ويضيف الباحث السياسي إياس الخطيب أن استمرار هذا النهج من شأنه أن يقوض فرص أي تفاهم مستقبلي بين واشنطن وطهران، كما سيعزز قناعة العديد من الدول بأن السياسة الأمريكية أصبحت رهينة للقرارات المفاجئة والتقلبات المرتبطة بشخص الرئيس أكثر من ارتباطها باستراتيجية دبلوماسية مستقرة، وهو ما ينعكس سلبا على مكانة الولايات المتحدة ودورها كطرف قادر على رعاية الاتفاقات الدولية.

 

وفيما يتعلق بإمكانية ارتباط الضربات الأمريكية بالمصالح الصهيونية، يصرح الباحث السياسي إياس الخطيب بأن ما جرى يصب، من الناحية السياسية والاستراتيجية، في خدمة الأجندة الإسرائيلية، حتى وإن لم يكن هناك ما يثبت أن واشنطن تحركت بأوامر مباشرة من الكيان الصهيوني. ويوضح أن هناك تقاطعا واضحا بين أولويات إدارة ترامب والرؤية الصهيونية التي تنظر إلى أي تقارب أمريكي مع إيران باعتباره تهديدا مباشرا لمصالحها الأمنية والاستراتيجية.

 

ويختتم الباحث السياسي إياس الخطيب بأن توقيت الضربات العسكرية يعزز الانطباع بأن الإدارة الأمريكية فضلت مجددا منطق القوة على منطق الحوار، وهو ما يجعلها تبدو أقرب إلى تبني أولويات حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، بدل الاضطلاع بدور الوسيط القادر على الحفاظ على التزاماته الدولية. ويرى أن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وإضعاف فرص العودة إلى طاولة المفاوضات، بما يهدد أمن المنطقة ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

 

ولفت إياس الخطيب إلى أن الحزب الديمقراطي لم يكن بعيدا عن الواقع عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”المتهور”، معتبرا أن قراراته الخارجية كثيرا ما اتسمت بالاندفاع والاعتماد على القوة العسكرية بدلا من تغليب الحلول الدبلوماسية، وهو ما ساهم في تأجيج العديد من الأزمات الدولية وزعزعة الثقة في السياسة الأمريكية.

 

هل تفرض واشنطن إرادتها على نتنياهو في لبنان؟

 

وفي هذا السياق، يصرح العميد السابق في الجيش اللبناني منير شحادة لـ”الابام نيوز” بأن التفاهمات التي تم الإعلان عنها لا تقتصر على عناوين سياسية عامة تتعلق بخفض التصعيد، وإنما تتضمن آليات تنفيذية واضحة، تشمل إنشاء مركز تنسيق لمتابعة عودة النازحين اللبنانيين إلى قراهم، والإشراف على انسحاب القوات الصهيونية من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى معالجة الخروقات المرتبطة بوقف إطلاق النار عبر آلية مراقبة خاصة. كما يشير إلى أن الولايات المتحدة أعلنت بالتوازي إطلاق آلية جديدة عبر القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” لمتابعة الوضع الميداني في لبنان، إلى جانب تشكيل لجنة لمراقبة وقف إطلاق النار تضم إيران وقطر، بهدف متابعة أي خرق أو تصعيد بصورة مباشرة.

 

 

 

ويؤكد منير شحادة أن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بوجود هذه التفاهمات، بل بمدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام نفوذها لإلزام رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بتنفيذها على أرض الواقع، معتبرا أن هذا الملف سيشكل اختبارا حقيقيا لجدية واشنطن في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

 

ويضيف منير شحادة أن الولايات المتحدة تمتلك، من الناحية العملية، أكبر أدوات الضغط على الكيان الصهيوني مقارنة بأي دولة أخرى، بالنظر إلى اعتماد جيش الكيان الصهيوني بصورة كبيرة على الدعم العسكري واللوجستي والسياسي الأميركي، فضلا عن الغطاء الدبلوماسي الذي توفره واشنطن لإسرائيل داخل المؤسسات الدولية. ويرى أن المسألة لا تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الضغط، وإنما بالإرادة السياسية لاتخاذ هذا القرار.

 

ويلفت منير شحادة إلى أن التجربة التاريخية أثبتت أن الإدارات الأميركية كانت قادرة، عندما تعتبر أي ملف جزءا من أمنها القومي، على فرض قيود حقيقية على الحكومات الصهيونية، مستشهدا بمحطات تاريخية عديدة بدأت منذ أزمة السويس عام 1956، وصولا إلى خلافات لاحقة حول ملف الاستيطان وبعض العمليات العسكرية، وهو ما يؤكد أن أدوات الضغط الأميركية ليست محل شك، وإنما يرتبط استخدامها بحسابات المصالح.

 

ويرى منير شحادة أن المؤشرات الحالية توحي بأن الملف اللبناني لم يعد قضية منفصلة، بل أصبح جزءا من تفاهم إقليمي أوسع بين الولايات المتحدة وإيران يهدف إلى احتواء التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة. ويشير إلى أن العديد من التقارير الغربية تحدثت عن قلق صهيوني من هذا التفاهم، باعتبار أن الكيان الصهيوني تنظر إليه بوصفها الطرف الأكثر تضررا، خاصة إذا أدى إلى فرض قيود على حرية عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.

 

ويؤكد منير شحادة أن استقرار لبنان يخدم جملة من الأهداف الأميركية، في مقدمتها منع فتح جبهة جديدة تستنزف المصالح الأميركية، والحفاظ على مسار التفاهمات مع إيران، وتجنب اندلاع أزمة إنسانية جديدة تزيد من حالة الفوضى في المنطقة، فضلا عن تعزيز دور الدولة اللبنانية والجيش اللبناني في الجنوب، وضمان أمن الملاحة والطاقة بعد التوترات التي شهدها مضيق هرمز، وهو ما يفسر تمسك واشنطن بإنجاح أي آلية لوقف إطلاق النار.

 

وفي المقابل، يرى منير شحادة أن بنيامين نتنياهو لا يبدو مستعدا للتراجع بسهولة، لأنه يعتبر أي تفاهم يفرض وقفا دائما للأعمال العسكرية دون تحقيق الأهداف التي أعلنها الكيان الصهيوني بمثابة تنازل استراتيجي. كما أن طبيعة الائتلاف الحكومي الذي يقوده، والذي يضم قوى يمينية متشددة، تدفعه إلى مواصلة الخيار العسكري باعتباره وسيلة لفرض شروطه على لبنان والمنطقة.

 

ويشير منير شحادة إلى أن استمرار الخروقات الصهيونية رغم الإعلان عن ترتيبات جديدة للتهدئة يعكس حجم التباين بين التفاهمات السياسية والواقع الميداني، وهو ما دفع مسؤولين لبنانيين وإيرانيين إلى مطالبة الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل وإلزامها بتنفيذ التزاماتها.

 

ويؤكد منير شحادة أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في لجوء الولايات المتحدة إلى سياسة الضغط التدريجي على حكومة نتنياهو، دون الوصول إلى مواجهة سياسية مباشرة معها. ويوضح أن واشنطن قد تستخدم عدة أدوات لتحقيق ذلك، من بينها الضغط السياسي المباشر، وربط بعض أوجه الدعم العسكري بمدى الالتزام بالتفاهمات، وتحميل إسرائيل مسؤولية أي انهيار لاتفاقات التهدئة، إضافة إلى فرض سقوف على العمليات العسكرية، وتفعيل آليات المراقبة الأميركية الجديدة لرصد الخروقات والحد منها.

 

ويستدرك منير شحادة بأن من غير المرجح أن تذهب الولايات المتحدة إلى حد القطيعة مع الكيان الصهيوني أو فرض عقوبات عليها، لأن العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين تتجاوز الخلافات المرتبطة بالملف اللبناني، وتستند إلى تحالف طويل الأمد يصعب المساس بجوهره.

 

ويختتم منير شحادة تصريحه أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة الكاملة على إلزام الكيان الصهيوني باحترام التفاهمات المتعلقة بلبنان إذا رأت أن ذلك يخدم مصالحها الاستراتيجية. ويرى أن احتمال ممارسة واشنطن ضغوطا جدية على حكومة نتنياهو يبقى مرتفعا، إلا أن هذه الضغوط ستأخذ على الأرجح طابعا تدريجيا وغير معلن، بهدف دفع الكيان الصهيوني إلى الالتزام بالتفاهمات دون إظهار الأمر وكأنه رضوخ لإملاءات خارجية. ويؤكد أن استمرار نتنياهو في تحدي هذه التفاهمات قد يضيق هامش المناورة أمامه إذا ما اعتبرت واشنطن أن سلوكه يهدد مشروعها الإقليمي ومسار التفاهمات الأوسع في المنطقة.

 

 

شارك